الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٢٩
فإن قيل إنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث ولا ما يجري مجرى فعله
فلم يجز أن يقول الراوي عنه أخبرني ولا حدثني لأنه يكون كذبا ولأنه قادر
على أن يحدث به. فحيث لم يحدث به دل على أنه غير صحيح عنده.
قلنا هذا باطل بما إذا كان الراوي عن الشيخ هو القارىء فإنه لم
يوجد من الشيخ فعل الحديث ولا ما يجري مجراه وهو قادر على القراءة بنفسه.
ومع ذلك. فإنه يجوز للراوي أن يقول أخبرني وحدثني حيث كانت قراءته عليه مع
السكوت دليل صحة الحديث. وعلى ما ذكرناه من الخلاف في الإجازة والخريف
والمختار يكون الكلام فيما إذا ناوله كتابا فيه حديث هو سماعه وقال له قد
أجزت لك أن تروي عني ما فيه وله أن يقول ناولني فلان كذا وأخبرني وحدثني
مناولة. وكذلك الحكم أيضا إذا كتب إليه بحديث وقال أجزت لك روايته عني فإنه
يدل على صحته ويسلط الراوي على أن يقول كاتبني بكذا وحدثني أو أخبرني بكذا
كتابة. ولو اقتصر على المناولة أو الكتابة دون لفظ الإجازة لم تجز له
الرواية إذ ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه ولا على
صحة الحديث في نفسه.
وأما رؤية خط الشيخ بأني سمعت من فلان كذا فلا يجوز مع ذلك الرواية
عنه وسواء قال هذا خطي أو لم يقل لأنه قد يكتب ما سمعه. ثم يشكك فيه فلا بد
من التسليط من قبل الشيخ على الرواية عنه بطريقة إذ ليس لأحد رواية ما شك
في روايته إجماعا. وعلى هذا فلو روى كتابا عن بعض المحدثين وشك في حديث
واحد منه غير معين لم تجز له رواية شيء منه لأنه ما من واحد ومن تلك
الأحاديث إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك فيه. وكذلك لو روى عن جماعة حديثا
وشك في روايته عن بعضهم من غير تعيين فليس له الرواية عن واحد منهم لأنه ما
من واحد إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك في الرواية عنه. والرواية مع الشك
ممتنعة. نعم لو غلب على ظنه رواية الحديث عن بعض المشايخ وسماعه منه فهذا
مما اختلف فيه. فقال أبو حنيفة لا تجوز روايته ولا العمل به لأنه حكم على
المروي عنه بأنه حدثه به فلا يجوز مع عدم العلم كما في الشهادة وقال
الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن تجوز له الرواية والعمل به لأن ذلك مما
يغلب على الظن صحتهولهذا فإن آحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
كانوا يحملون كتب الرسول إلى أطراف البلاد في أمور الصدقات