الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١١١
مما يتكرر بتكرره الحكم كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع الهلال
وغيره من أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات أو غير متكرر به كالاستطاعة
في الحج ونحوه وسواء كان وصفا وجوديا أو عدميا شرعيا أو غير شرعي ما يأتي
تحقيقه في القياس .
وإذا أطلق على السبب أنه موجب للحكم فليس معناه أنه يوجبه لذاته
وصفة نفسه وإلا كان موجبا له قبل ورود الشرع وإنما معناه أنه معرف للحكم لا
غير كما ذكرناه في تحديده.
فإن قيل لو كانت السببية حكما شرعيا لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر
يعرفها. ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر
وإما التسلسل وهو محال. وأيضا فإن الوصف المعرف للحكم إما يعرفة بنفسه أو
بصفة زائدة.
فإن كان الأول لزم أن يكون معرفا له قبل ورود الشرع وهو محال. وإن
كان بصفة زائدة عليه فالكلام في تلك الصفة كالكلام في الأول وهو تسلسل
ممتنع. وأيضا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببا للحكم إنما هو ما
يستلزمه من الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة .وذلك ممتنع
لوجهين الأول أنه لو كانت الحكمة معرفة لحكم السببية لأمكن تعريف الحكم
المسبب بها من غير حاجة إلى توسط الوصف. وليس كذلك بالإجماع.
الثاني أن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة. فإن كان الأول لزم من
قدمها قدم موجبها وهو معرفة السببية. وإن كان الثاني فلا بد لها من معرف
آخر لخفائها. والتقسيم في ذلك المعرف عائد بعينه.
قلنا معرفة السببية مستندة إلى الخطاب أو إلى الحكمة الملازمة للوصف
مع اقتران الحكم بها في صورة فلا تستدعي سببا آخر يعرفها حتى يلزم الدور
أو التسلسل وبما ذكرناه هاهنا يكون دفع إشكال الثاني أيضا.
وأما الوجه الأول من الإشكال الثالث فالوجه في دفعه أن الحكمة
المعرفة للسببية ليس مطلق حكمة بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم
فلا تكون بمجردها معرفة للحكم فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا
بملزومها من الوصف فلا يمكن