الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٧٧
على إنقاذه فإنه يميل إليه وإن كان بحيث لا يتوقع في مقابلة ذلك
حصول غرض دنياوي ولا أخروي بل ربما كان يتضرر بالتعب والتعني. وليس ذلك
إلا لحسنه في ذاته.
وأما من جهة الإلزام فهو أنه لو كان السمع وورود الأمر والنهي هو
مدرك الحسن والقبح لما فرق العاقل بين من أحسن إليه وأساء ولما كان فعل
الله حسنا قبل ورود السمع ولجاز من الله الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة
ولجاز إظهار المعجزة على يد الكذاب ولا امتنع الحكم بقبح الكذب على الله
تعالى قبل ورود السمع ولكان الوجوب أيضا متوقفا على السمع. ويلزم من ذلك
إفحام الرسل من حيث إن النبي إذا بعث وادعى الرسالة ودعا إلى النظر في
معجزته فللمدعو أن يقول لا أنظر في معجزتك ما لم يجب علي النظر. ووجوب
النظر متوقف على استقرار الشرع بالنظر في معجزتك وهو دور
والجواب عن الأول أن ما ذكروه من الصفات فأمور تقديرية فمفهوم
نقائضها سلب التقدير والأمور المقدرة ليست من الصفات العرضية فلا يلزم منه
قيام العرض بالعرض. فإن قيل مثله في الحسن والقبح فقد خرج عن كونه من
الصفات الثبوتية للذات وهو المطلوب وعن المعارضة الأولى بمنع إجماع العقلاء
على الحسن والقبح فيما ذكروه. فإن من العقلاء من لا يعتقد ذلك كبعض
الملاحدة ونحن أيضا لا نوافق على قبح إيلام البهائم من غير جرم ولا غرض وهو
من صور النزاع وإن كان ذلك متفقا عليه بين العقلاء فلا يلزم أن يكون العلم
به ضروريا وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء عادة. وإن كان ذلك معلوما ضرورة
فلا يلزم من أن يكون ذاتيا إلا أن يكون مجردا من أمر خارج وهو غير مسلم
على ما يأتي. وعن المعارضة الثانية أنه لا يخلو إما أن يقال بالتفاوت بين
الصدق والكذب ولو بوجه أو لا يقال به. والأول يلزمه إبطال الاستدلال.
والثاني يمنع معه إيثار أحد الأمرين دون الآخر. وعلى هذا إن كان ميله إلى
الإنقاذ لتحقق أمر خارج فالاستدلال باطل وإن لم يكن فالميل إلى الإنقاذ لا
يكون مسلما وإن سلم دلالة ما ذكرتموه في حق الشاهد فلا يلزم مثله في حق
الغائب إلا بطريق قياسه على الشاهد وهو متعذر لما بيناه في علم الكلام. ثم
كيف يقاس والإجماع منعقد على التفرقة بتقبيح تمكين السيد لعبيده من الفواحش
مع العلم بهم والقدرة على منعهم دون تقبيح ذلك بالنسبة إلى الله تعالى.