الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٨٩
إما معين وإما غير معين. لا جائز أن يقال بالأول لخمسة أوجه
الأول أنه لو كان التخيير موجبا للجميع لكان الأمر بإيجاب عتق عبد من العبيد على طريق التخيير موجبا للجميع وهو محال.
الثاني أن ذلك مما يمنع من التخيير ولهذا فإنه لا يحسن أن يقول
القائل لغيره أوجبت عليك صلاتين فصل أيهما شئت واترك أيهما شئت. كما لا
يحسن أن يقول أوجبت عليك الصلاة وخيرتك في فعلها وتركها لما فيه من رفع
الواجب وليس ذلك من لغة العرب في شيء.
الثالث أن الواجب ما لا يجوز تركه مع القدرة عليه والأمر فيما نحن فيه بخلافه.
الرابع أن الخصوم قد وافقوا على أنه لو أتى بالجميع أو ترك الجميع فإنه لا يثاب ولا يعاقب على الجميع.
الخامس أنه لو كان الجميع واجبا لنوى نية أداء الواجب في كل واحدة
من الخصال عندما إذا فعل الجميع وهو خلاف الإجماع . ولا جائز أن يقال بأن
الواجب واحد معين إذ هو خلاف مقتضى التخيير ولأنه كان يلزم أن لا يحصل
الإجزاء بتقدير أداء غيره مع القدرة عليه وهو خلاف الإجماع. فلم يبق غير
الإبهام .
غير أن أبا الحسين البصري قد تكلف رد الخلاف في هذه المسألة إلى
اللفظ دون المعنى وذلك أنه قال معنى إيجاب الجميع أن الله تعالى حرم ترك
الجميع لا كل واحد واحد منها بتقدير فعل المكلف لواحد منها مع تفويض فعل أي
واحد منها كان إلى المكلف. وهذا هو بعينه مذهب الفقهاء. غير أن ما ذكره في
تفسير وجوب الجميع وإن كان رافعا للخلاف غير أنه خلاف ما نقله الأئمة عن
الجبائي وابنه من إطلاق القول بوجوب الجميع والدلائل المشعرة بذلك. فلننسج
في الحجاج على منوالهم .
فإن قيل ما ذكرتموه من الدليل إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير وهي قوله تعالى ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين ﴾[١] الآية دالة على تخيير كل واحد واحد من الأمة بين خصال الكفارة بجهة الإيجاب. وما المانع أن يكون ذلك إخبارا عما يوجد من الكفارة
>[١]. ٥ المائدة ٨٩.