الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٨٢
الذم بفعله سموه حراما وإلا فمكروه. وما لم يقض العقل فيه بحسن
ولا قبح فقد اختلفوا فيه فمنهم من حظره ومنهم من أباحه ومنهم من وقف عن
الأمرين .
احتجت الأشاعرة بالمنقول والمعقول: أما المنقول فقول الله تعالى ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾[١]
ووجه الدلالة منه أنه أمن من العذاب قبل بعثه الرسل. وذلك يستلزم انتفاء
الوجوب والحرمة قبل البعثة. وإلا لما أمن من العذاب بتقدير ترك الواجب وفعل
المحرم إذ هو لازم لهما .وأيضا قوله تعالى ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾[٢]ومفهومه يدل على الاحتجاج قبل البعثة. ويلزم من ذلك نفي الموجب والمحرم.
وأما من جهة المعقول فلأن ثبوت الحكم إما بالشرع أو بالعقل بالإجماع
ولا شرع قبل ورود الشرع والعقل غير موجب ولا محرم لما سبق في المسألة
المتقدمة فلا حكم .
فإن قيل أما الآية الأولى فلا حجة فيها فإنه ليس العذاب من لوازم
ترك الواجب وفعل المحرم ولهذا يجوز انفكاكه عنهما بناء على عفو أو شفاعة
فنفيه قبل ورود الشرع لا يلزم منه نفيهما. سلمنا أنه لازم لهما لكن بعد
ورود الشرع لا قبله. وعلى هذا فلا يلزم نفيهما من نفيه قبل ورود الشرع
.سلمنا أنه لازم لهما لكنه لازم للواجب والمحرم شرعا أو عقلإ؛للَّهللَّه
الأول مسلم والثاني ممنوع. وعلى هذا فاللازم من نفيه قبل الشرع نفي الواجب
والمحرم شرعا لا عقلا سلمنا ذلك ولكن ليس في الآية ما يدل على نفي الإباحة
والوقف لعدم ملازمة العذاب لشيء من ذلك إجماعا .
وأما الآية الأخرى وإن سلمنا كون المفهوم حجة فالاعتراض على الآية
الأولى بعينه وارد هاهنا. وأما ما ذكرتموه من المعقول فقد سبق ما فيه كيف
وأن ما ذكرتموه من الدلالة على نفي الحكم حكم بنفي الحكم فكان متناقضا .
والجواب عن السؤال الأول أن وقوع العذاب بالفعل وإن لم يكن لازما من
ترك الواجب وفعل المحرم فلازمه عدم الأمن من ذلك لعدم تحقق الواجب والمحرم
دونه .وهذا
>[١]. ١٧ الإسراء ١٥. [٢]. ٤ النساء ١٦٥.