الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٦٢
تقديمه ذكرا لزيادة حبه له واهتمامه بالإخبار عنه أو لأنه قصد
الإخبار عنه لا غير ثم تجدد له قصد الإخبار عن الآخر عند إخباره عن الأول .
وبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب وإن كان الأرجح هو الأول في النفس.
وأما الفاء و ثم و حتى فإنها تقتضي الترتيب. وتختلف من جهات أخر .
فأما الفاء فمقتضاها إيجاب الثاني بعد الأول من غير مهلة. هذا مما اتفق الأدباء على نقله عن أهل اللغة. وقوله تعالى ﴿ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾[١] وإن كان مجيء البأس لا يتأخر عن الهلاك فيجب تأويله بالحكم بمجيء البأس بعد هلاكها ضرورة موافقة للنقل. وقوله تعالى ﴿ لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب ﴾[٢] وقوله تعالى ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ﴾[٣]فإنه
وإن كان الإسحات بالعذاب مما يتراخى عن الافتراءه بالكذب. وكذلك الرهن مما
يتراخى عن المداينة غير أنه يجب تأويله بأن حكم الافتراء الإسحات وحكم
المداينة الرهنية لما ذكرناه من موافقة النقل. وقد ترد الفاء مورد الواو
كقول الشاعر بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وأما ثم فإنها توجب الثاني بعد الأول بمهلة وقوله تعالى ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ﴾[٤]
وإن كان الاهتداء يتراخى عن التوبة والإيمان والعمل الصالح فيجب حمله على
دوام الاهتداء وثباته ضرورة موافقة النقل. وقيل إنها قد ترد بمعنى الواو
كقوله تعالى ﴿ فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾[٥] لاستحالة كونه شاهدا بعد أن لم يكن شاهدا .
وأما حتى فموجبة لكون المعطوف جزءا من المعطوف عليه نحو قولك مات
الناس حتى الأنبياء وقدم الحاج حتى المشاة .فالأول أفضله والثاني دونه.
>[١]. ٧ الأعراف ٤. [٢]. ٢٠ طه ٦١. [٣]. ٢ البقرة ٢٨٣ . [٤]. ٢٠ طه ٨٢. [٥]. ١٠ يونس ٤٦.