الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٥٠٨
قلنا لا نسلم صحة الاستثناء على رأي لنا. وإن سلمنا فإنما عاد إلى
الجميع لقيام الدليل عليه وذلك لأنه لا بد من إعمال لفظه مع الإمكان وقد
تعذر استثناء الستة من الجملة الأخيرة لكونه مستغرقا لها وهو صالح للعود
إلى الجميع فحمل عليه ومع قيام الدليل على ذلك فلا نزاع وإنما النزاع فيما
إذا ورد الاستثناء مقارنا للجملة الأخيرة من غير دليل يوجب عوده إلى ما
تقدم.
الحجة السادسة أنه لو قال القائل بنو تميم وربيعة أكرموهم إلا
الطوال فإن الاستثناء يعود إلى الجميع فكذلك إذا تقدم الأمر بالإكرام ضرورة
اتحاد المعنى.
ولقائل أن يقول حاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة وهو باطل
لما علم كيف والفرق ظاهر لأنه إذا تأخر الأمر عن الجمل فقد اقترن باسم
الجميع وهو قوله أكرموهم بخلاف الأمر المتقدم فإنه لم يتصل باسم الفريقين
بل باسم الفريق الأول.
الحجة السابعة أنه إذا قال القائل اضربوا بني تميم وبني ربيعة إلا
من دخل الدار فمعناه من دخل من الفريقين. ولقائل أن يقول ليس تقدير هذا
المعنى أولى من تقدير إلا من دخل من ربيعة.
وأما حجج القائلين بعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فمن جهة النص والمعقول.
أما النص فقوله تعالى ﴿
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا
تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا ﴾ [١] فإنه راجع إلى قوله وأولئك هم الفاسقون ولم يرجع إلى الجلد بالاتفاق. وأيضا قوله تعالى ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾ [٢] وقوله ﴿ إلا أن يصدقوا﴾ [٣] راجع إلى الدية دون الإعتاق بالاتفاق.
قلنا أما الآية الأولى فلا نسلم اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة
منها بل هو عائد إلى جميع الجمل عدا الجلد لدليل دل عليه وهو المحافظة على
حق الآدمي.
>[١]. ( ٢٤ النور ٤-٥ ) [٢]. ( ٤ النساء ٩٢ ) [٣]. ( ٤ النساء ٩٢ )