الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٩٥
احتج الخصوم بأربعة أمور
الأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والله لأغزون قريشا. ثم سكت وقال بعده إن شاء الله
ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لما فعله لكونه مقتدى به. وأيضا ما روي
عنه صلى الله عليه وسلم أنه سألته اليهود عن عدة أهل الكهف وعن مدة لبثهم
فيه فقال غدا أجيبكم ولم يقل إن شاء الله فتأخر عنه الوحي مدة بضعة عشر
يوما ثم نزل عليه ﴿ ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ﴾ [١] إلى قوله ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت ﴾ [٢]. فقال إن شاء الله بطريق الإلحاق بخبره الأول. ولو لم يكن ذلك صحيحا لما فعله.
الثاني أن ابن عباس ترجمان القرآن ومن أفصح فصحاء العرب وقد قال بصحة الاستثناء المنفصل. وذلك يدل على صحته.
الثالث أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول فجاز تأخيره كالنسخ والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم.
الرابع أن الاستثناء رافع لحكم اليمين فجاز تأخيره كالكفارة.
والجواب عن الخبر الأول أن سكوته قبل الاستثناء يحتمل أنه من السكوت
الذي لا يخل بالاتصال الحكمي كما أسلفناه ويجب الحمل عليه موافقة لما
ذكرناه من الأدلة.
وعن الخبر الثاني أن قوله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله ليس عائدا
إلى خبر الأول بل إلى ذكر ربه إذا نسي تقديره أذكر ربي إذا نسيت إن شاء
الله .وذلك كما إذا قال القائل لغيره افعل كذا فقال إن شاء الله أي أفعل إن
شاء الله.
وعن المنقول عن ابن عباس إن صح ذلك. فلعله كان يعتقد صحة إضمار
الاستثناء ويدين المكلف بذلك فيما بينه وبين الله تعالى وإن تأخر الاستثناء
لفظا
>[١]. ( ٢٨ الكهف ٢٢ ) [٢]. ( ٢٨ الكهف ٢٣-٢٤ )