الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٨١
والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بالتكرار هو أن حمل بعض الأوامر
وإن كانت متكررة على التكرار لا يدل على استفادة ذلك من ظاهرها وإلا كان ما
حمل من الأوامر على المرة الواحدة كالحج ونحوه مستفادا من ظاهر الأمر
ويلزم من ذلك إما التناقض أو اعتقاد الظهور في أحد الأمرين دون الآخر من
غير أولوية وهو محال.
فإن قيل اعتقاد الظهور في التكرار أولى لأن ما حمل من الأوامر على
التكرار أكثر من المحمول على المرة الواحدة وعند ذلك فلو جعلناه ظاهرا في
المرة الواحدة لكان المحذور اللازم من مخالفته في الحمل على التكرار أقل من
المحذور اللازم من جعله ظاهرا في التكرار عند حمله على المرة الواحدة.
قلنا هذا إنما يلزم أن لو قلنا إن الأمر ظاهر في أحد الأمرين وليس
كذلك بل الأمر عندنا إنما يقتضي إيقاع مصدر الفعل والمرة الواحدة من
ضروراته لا أن الأمر ظاهر فيها وكذلك في التكرار فحمل الأمر على أحدهما
بالقرينة لا يوجب مخالفة الظاهر في الآخر لعدم تحققه فيه.
وعن الثانية وإن سلمنا أن العموم في قوله تعالى ﴿ فاقتلوا المشركين﴾
[١] أنه يتناول كل مشرك فليس ذلك إلا لعموم اللفظ ولا يلزم مثله فيما نحن
فيه لعدم العموم في قوله صم بالنسبة إلى جميع الأزمان بل لو قال صم في
جميع الأزمان كان نظيرا لقوله اقتلوا المشركين.
وعن الثالثة لا نسلم أن النهي المطلق للدوام وإنما يقتضيه عند
التصريح بالدوام أو ظهور قرينة تدل عليه كما في الأمر وإن سلمنا اقتضاءه
للدوام لكن ما ذكروه من إلحاق الأمر بالنهي بواسطة الاشتراك بينهما في
الاقتضاء فرع صحة القياس في اللغات وقد أبطلناه. وإن سلمنا صحة ذلك غير أنا
نفرق وبيانه من وجهين الأول أن من أمر غيره أن يضرب فقد أمره بإيقاع مصدره
وهو الضرب فإذا ضرب مرة واحدة يصح أن يقال وجد الضرب. وإذا قال له لا تضرب
فمقتضاه عدم إيقام الضرب. فإذا انتهى في بعض الأوقات دون البعض يصح أن
يقال لم يعدم الضرب.
>[١]. ( ٩ التوبة ٥ )