الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٧٣
رجحان وجود الفعل على عدمه وإلا كان مرجوحا أو مساويا. ولو كان
مرجوحا لما أمر به لما فيه من الإخلال بالمصلحة الزائدة في الترك والتزام
المفسدة الراجحة في الفعل وهو قبيح. ولو كان مساويا لم يكن الأمر به أولى
من النهي عنه وذلك أيضا قبيح. وإذا كان راجحا فلو جاز تركه لزم منه الإخلال
بأرجح المقصودين وهو قبيح فلا يرد به الشرع فتعين الامتناع من الترك وهو
معنى الوجوب.
والجواب من جهة الإجمال والتفصيل.
أما الإجمال فهو أن جميع ما ذكروه لا خروج له عن الظن وإنما يكون
مفيدا فيما يطلب فيه الظن فقط وهو غير مسلم فيما نحن فيه. وقوله صلى الله
عليه وسلم نحن نحكم بالظاهر فظني والكلام في صحة الاحتجاج به فيما نحن فيه فعلى ما تقدم.
وأما من جهة التفصيل فإنا نخص كل شبهة بجواب.
أما قوله تعالى ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ [١] فهو أمر والخلاف في اقتضائه للوجوب بحاله وقوله ﴿ فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ﴾
[٢] فإما أن لا يكون للتهديد بل للإخبار بأن الرسول عليه ما حمل من
التبليغ وعليكم ماحملتم من القبول وليس في ذلك ما يدل على كون الأمر للوجوب
وإن كان للتهديد فهو دليل على الوجوب فيما هدد على تركه ومخالفته من
الأوامر وليس فيه ما يدل على أن كل أمر مهدد بمخالفته بدليل أمر الندب فإن
المندوب مأمور به على ما سيأتي وليس مهددا على مخالفته. وإذا انقسم الأمر
إلى مهدد عليه وغير مهدد وجب اعتقاد الوجوب فيما هدد عليه دون غيره وبه
يخرج الجواب عن كل صيغة أمر هدد على مخالفتها وحذر منها ووصف مخالفها بكونه
عاصيا وبه دفع أكثر ما ذكروه من الآيات.
ويخص قوله تعالى ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴾[٣] بأنه غير عام في كل أمر بصيغته. وإن قيل بالتعميم بالنظر إلى معقوله من جهة أنه مناسب رتب التحذير على
>[١]. ( ٢٤ النور ٥٤ ) [٢]. ( ٢٤ النور ٥٤ ) [٣]. ( ٢٤ النور ٦٣ )