الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٦٤
الصيغة وقد قال بأن الأمر هو صيغة افعل بشرط الدلالة على الأمر
فإن الشرط غير المشروط. وإذا كان الأمر غير الصيغة فلا بد من تعريفه والكشف
عنه إذ هو المقصود في هذا المقام.
ولما انحسمت عليهم طرق التعريف قال قائلون منهم الأمر هو إرادة
الفعل وقد احتج الأصحاب على إبطاله بأن السيد المعاتب من جهة السلطان على
ضرب عبده إذا اعتذر عن ذلك قصد إظهار أمره وأمره بين يدي السلطان قصدا
لإظهار مخالفته لبسط عذره والخلاص من عقاب السلطان له فإنه يعد آمرا والعبد
مأمورا ومطيعا بتقدير الامتثال وعاصيا بتقدير المخالفة مع علمنا بأنه لا
يريد منه الامتثال لما فيه من ظهور كذبه وتحقيق عقاب السلطان له والعاقل لا
يقصد ذلك. غير أن مثل هذا لازم على أصحابنا إن كان صحيحا في تفسيرهم الأمر
بطلب الفعل من جهة أن السيد أيضا آمر في مثل هذه الصورة لعبده مع علمنا
بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه والعاقل
لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه. وعند ذلك فما هو جواب أصحابنا في تفسير
الأمر بالطلب يكون جوابا للخصم في تفسيره بالإرادة.
وإن زعم بعض أصحابنا أن الأمر ليس هو الطلب بل الإخبار باستحقاق
الثواب على الفعل فيلزمه أن يكون الآمر لعبده مما يصح تصديقه وتكذيبه في
أمره لعبده ضرورة كون الأمر خبرا وهو ممتنع. كيف وإنه على خلاف تقسيم أهل
اللغة الكلام إلى أمر وخبر. والحق في ذلك أن يقال. أجمع المسلمون من غير
مخالفة من الخصوم على أن من علم الله تعالى أنه يموت على كفره أنه مأمور
بالإيمان وليس الإيمان منه مراد الله تعالى لأنه لا معنى لكونه مرادا لله
تعالى سوى تعلق الإرادة به ولا معنى لتعلق الإرادة بالفعل سوى تخصيصها له
بحالة حدوثه فلا يعقل تعلقها به دون تخصيصها له بحالة حدوثه وما لم يوجد لم
تكن الإرادة مخصصة له بحالة حدوثه فلا تكون متعلقة به. وليقنع بهذا هاهنا
عما استقصيناه من الوجوه الكثيرة في علم الكلام.
وأما أصحابنا فمنهم من قال الأمر عبارة عن الخبر على الثواب على
الفعل تارة والعقاب على الترك تارة وهو فاسد لما سبق من امتناع تصديق الآمر
وتكذيبه ولأنه يلزم منه لزوم الثواب على فعل ما أمر به والعقاب على تركه
من جهة الشارع حذرا من الخلف في خبر الصادق وليس كذلك بالإجماع. أما الثواب
فلجواز إحباط العمل