الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٠٢
وأما المعارضة بالآيات فجوابها ما سبق في بيان جواز التعبد بخبر الواحد عقلا.
وعن السنة أنه عليه السلام إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه
لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير. ومع ظهور أمارة
الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه فحيث وافقه الباقون على ذلك ارتفع حكم
الأمارة الدالة على وهم ذي اليدين وعمل بموجب خبره. كيف وإن عمل النبي صلى
الله عليه وسلم بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما مع خبر ذي اليدين عمل بخبر لم
ينته إلى حد التواتر وهو موضع النزاع. وفي تسليمه تسليم المطلوب.
وعن المعارضة الأولى من المعقول أنها منتقضة بخبر الواحد في الفتوى
والشهادة. كيف والفرق حاصل. وذلك أن المشترط في إثبات الرسالة والأصول
الدليل القطعي فلم يكن الدليل الظني معتبرا فيها بخلاف الفروع.
وعن الثانية من وجهين
الأول أن براءة الذمة غير مقطوع بها بعد الوجود والتكليف في نفس
الأمر بل الشغل محتمل وإن لم يظهر لنا سبب الشغل فمخالفة براءة الذمة بخبر
الواحد لا يكون رفع مقطوع بمظنون.
الثاني أنه منتقض بالشهادة والفتوى.
وعن الثالث أن تجويز وجود خبر معارض للخبر الذي ظهر لا يمنع من
الاحتجاج به وإلا لما ساغ التمسك بدليل من ظواهر الكتاب والسنة المتواترة
لأنه ما من واحد منها إلا ويجوز ورود ناسخ له أو مخصص له بل ولما جاز
التمسك بدليل مستنبط معارض له ولما ساغ أيضا للقاضي الحكم بشهادة الشاهدين
ولا للعامي الأخذ بفتوى المجتهد له لجواز وجود ما يعارضه وذلك خلاف
الإجماع.
وعن الرابع أنه إنما لم يجز تقليد العالم للعالم لاستوائهما في درجة
الاجتهاد وليس تقليد أحدهما للآخر أولى من العكس ولا كذلك المجتهد مع
الراوي فإنهما لم يستويا في معرفة ما استبد بمعرفته الراوي من الخبر فلذلك
وجب عليه تقليده فيما رواه.