الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٩٦
ينفذ آحاد الصحابة إلى النواحي والقبائل والبلاد بالدعاء إلى
الإسلام وتبليغ الأخبار والأحكام وفصل الخصومات وقبض الزكوات ونحو ذلك مع
علمنا بتكليف المبعوث إليه بالطاعة والانقياد لقبول قول المبعوث إليهم
والعمل بمقتضى ما يقول مع كون المنفذ من الآحاد. ولو لم يكن خبر الواحد حجة
لما كان كذلك.
ولقائل أن يقول وإن سلمنا تنفيذ الآحاد بطريق الرسالة والقضاء وأخذ
الزكوات والفتوى وتعليم الأحكام فلا نسلم وقوع تنفيذ الآحاد بالأخبار التي
هي مدارك الأحكام الشرعية ليجتهدوا فيها وذلك محل النزاع. سلمنا صحة
التنفيد بالأخبار الدالة على الأحكام الشرعية وتعريفهم إياها ولكن لا نسلم
أن ذلك يدل على كون خبر الواحد في ذلك حجة بل جاز أن يكون ذلك لفائدة حصول
العلم للمبعوث إليهم بما تواتر بضم خبر غير ذلك الواحد إليه. ومع هذه
الاحتمالات فلا يثبت كون خبر الواحد حجة فيما نحن فيه.
وقد أورد على هذه الحجة سؤالان آخران لا وجه لهما الأول أن النبي
صلى الله عليه وسلم كما أنه كان ينفذ الآحاد لتبليغ الأخبار كان ينفذهم
لتعريف وحدانية الله تعالى وتعريف الرسالة. فلو كان خبر الواحد حجة في
الإخبار بالأحكام الشرعية لكان حجة في تعريف التوحيد والرسالة وهو خلاف
الإجماع.
الثاني أن من الجائز أن يكون تنفيذ الآحاد بالإخبار عن أحكام شرعية
كانت معلومة للمبعوث لهم قبل إرسال ذلك الواحد بها كما أنهم علموا وجوب
العمل بخبر الواحد قبل إرسال ذلك الواحد إليهم على أصلكم.
والجواب عن الأول أن إنفاذ الآحاد لتعريف التوحيد والرسالة لم يكن
واجب القبول لكونه خبر واحد بل إنما كان واجب القبول من جهة ما يخبرهم به
من الأدلة العقلية ويعرفهم من الدلائل اليقينية التي تشهد بصحتها عقولهم
ولا كذلك فيما يخبر به من الأخبار الدالة على الأحكام الشرعية.
وعن الثاني أنهم لو كانوا عالمين بالأحكام الشرعية التي دل عليها
خبر الواحد لما احتيج إلى إرساله لتعريفهم لما قد عرفوه لما فيه من تحصيل
الحاصلكيف وإن تعريف المعلوم بالخبر المظنون محال وهذا بخلاف ما إذا علم
كون خبر الواحد مما يجب