الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٩٥
ولقائل أن يقول لا نسلم أن قوله فاسألوا صيغة أمر وإن كانت أمرا فلا
نسلم أنها للوجوب كما يأتي. وإن كانت للوجوب فيحتمل أن يكون المراد من أهل
الذكر أهل العلم وأن يكون المراد من المسؤول عنه الفتوى. وبتقدير أن يكون
المراد السؤال عن الخبر فيحتمل أن يكون المراد من السؤال العلم بالمخبر عنه
وهو الظاهر وذلك لأنه أوجب السؤال عند عدم العلم. فلو لم يكن المطلوب حصول
العلم بالسؤال لكان السؤال واجبا بعد حصول خبر الواحد لعدم حصول العلم
بخبره فإنه لا يفيد غيرالظن. وذلك يدل على أن العمل بخبر الواحد غير واجب
لأنه لا قائل بوجوب العمل بخبره مع وجوب السؤال عن غيره. وإذا كان المطلوب
إنما هو حصول العلم من السؤال فذلك إنما يتم بخبر التواتر لا بما دونه. وإن
سلمنا أن السؤال واجب على الإطلاق فلا يلزم أن يكون العمل بخبر الواحد
واجبا بدليل ما ذكرناه في الحجة المتقدمة. وبتقدير دلالة ذلك على وجوب
القبول لكنها دلالة ظنية فلا يحتج بها في الأصول.
ومنها قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ﴾
[١] أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله والأمر للوجوب. ومن أخبر عن الرسول
بما سمعه منه فقد قام بالقسط وشهد لله فكان ذلك واجبا عليه وإنما يكون ذلك
واجبا إن لو كان القبول واجبا وإلا كان وجود الشهادة كعدمها وهو ممتنع.
ولقائل أن يقول لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط
والشهادة لله على ما يأتي. وإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك غير أنا نقول
بموجب الآية فإن الشهادة لله والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز العمل به.
وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قياما بالقسط ولا شهادة لله. وعند ذلك
فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد. على أنه قام بالقسط وأنه
شاهد لله وقيامه بالقسط وشهادته لله متوقف عل قبول خبره وجواز العمل به وهو
دور ممتنع. وإن سلمنا أنه شهد لله وقام بالقسط ولكن لا نسلم أنه واجب
القبول ودليله ما سبق وبتقدير دلالة الآية على وجوب القبول ولكن لجهة الظن
فلا يصح.
ومنها ما اشتهر واستفاض بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان
>[١]. ( ٤ النساء ١٣٥ )