الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٨٣
المعيشة أو خوف ورهبة من عدو غالب وملك قاهر أو لأغراض متعددة
كل غرض لواحد ويدل على ذلك الوقوع. وهو أن النصارى مع كثرتهم كثرة تخرج عن
الحصر لم ينقلوا كلام المسيح في المهد مع أنه من أعجب حادث حدث في الأرض
ومن أعظم ما تتوفر الدواعي على نقله وإشاعته ونقلوا ما دون ذلك من معجزاته.
وأيضا فإن الناس نقلوا أعلام الرسل ولم ينقلوا أعلام شعيب وغيره من الرسل.
وأيضا فإن آحاد المسلمين قد انفردوا بنقل ما تتوفر الدواعي على نقله مع
شيوعه فيما بين الصحابة والجمع الكثير كنقل ما عدا القرآن من معجزاته
كانشقاق القمر وتسبيح الحصا في يده ونبع الماء من بين أصابعه وحنين الجذع
إليه وتسليم الغزالة عليه وكدخول مكة عنوة أو صلحا وتثنية الإقامة وإفرادها
وإفراده في الحج وقرانه ونكاحه لميمونة وهو حرام وقبوله لشهادة الأعرابي
وحده في هلال رمضان ورفع اليدين في الصلاة والجهر بالتسمية إلى غير ذلك من
الوقائع التي لا تحصى.
قلنا قد بينا أن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما يجري بينهم من الوقائع العظيمة.
قولهم ذلك إنما يصح أن لو لم يوجد الداعي إلى الكتمان. قلنا والكلام
فيه وذلك أن العادة أيضا تحيل اشتراك الخلق الكثير في الداعي إلى الكتمان
كما يستحيل اشتراكهم في الداعي إلى الكذب وإلى أكل طعام واحد في يوم واحد
وما ذكروه من صور الاستشهاد.
أما كلام عيسى في المهد فإنما تولى نقله الآحاد لأنه لم يتكلم إلا
بحضرة نفر يسير حيث لم يكن أمره قد ظهر ولا شأنه قد اشتهر ولا عرف برسالة
ولا نبوة وذلك بخلاف إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص فإنه كان وقت
اشتهاره ودعواه الرسالة مستدلا بذلك على صدقه وتطلع الناس إليه وامتداد
الأعين إلى ما يدعيه. فلذلك لم يقع اتفاقهم على كتمانه
وأما أعلام شعيب وغيره من الأنبياء فإنما لم ينقل لأنهم لم يدعوا الرسالة حتى