الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٥٤
أما النص فحكاية القرآن عن الكفار قولهم عن النبي عليه السلام ﴿أفترى على الله كذبا أم به جنة ﴾
[١] حصروا دعواه النبوة في الكذب والجنة وليس إخباره بالنبوة حالة جنونه
كذبا لأنهم جعلوها في مقابلة الكذب ولا صدقا لأنهم لم يعتقدوا صدقه على كل
تقدير. فإخباره حالة جنة ليس بصدق ولا كذب
وأما المعقول فمن وجهين
الأول أنه ليس الصادق هو الخبر المطابق للمخبر. فإن من أخبر بأن
زيدا في الدار على اعتقاد أنه ليس فيها وكان فيها فإنه لا يوصف بكونه صادقا
ولا يستحق المدح على ذلك وإن كان خبره مطابقا للمخبر ولا يوصف بكونه كاذبا
لمطابقة خبره للمخبر. وكذلك ليس الكذب هو عدم مطابقة الخبر للمخبر لوجهين
الأول أنه كان يلزم منه الكذب في كلام الله تعالى بتخصيص عموم خبره وتقييد
مطلقه لعدم المطابقة وهو محال. الثاني أنه لو أخبر مخبر أن زيدا في الدار
على اعتقاد كونه فيها ولم يكن فيها فإنه لا يوصف بكونه كاذبا ولا يستحق
الذم على ذلك. ولا يوصف بكونه صادقا لعدم مطابقة الخبر للمخبر. وإنما
الصادق ما طابق المخبر مع اعتقاد المخبر أنه كذلك. والكذب ما لم يطابق
المخبر مع اعتقاده أنه كذلك الثاني أنه إذا جاز أن يفرض في الاعتقاد واسطة
بين كونه علما أو جهلا لا يوصف بكونه علما ولا جهلا مركبا كاعتقاد العامي
المقلد وجود الإله تعالى جاز أن يفرض بين الصادق والكاذب خبر ليس بصادق ولا
كاذب.
والجواب عن الآية أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة لأن قصد
الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبرا والمجنون ليس له قصد صحيح فصار
كالنائم والساهي إذا صدرت منه صيغة الخبر فإنه لا يكون خبرا وحيث لم
يعتقدوا صدقه لم يبق إلا أن يكون كاذبا أو لا يكون ما أتى به خبرا وإن كانت
صورته صورة الخبر أما أن يكون خبرا وليس صادقا فيه ولا كاذبا فلا.
وعن الوجه الأول من المعقول أنا لا نسلم أن من أخبر عن كون زيد في
الدار على اعتقاد أنه ليس فيها وهو فيها أن خبره لا يكون صادقا وإن كان لا
يستحق المدح على
>[١]. ( ٢٤ سبأ ٨ )