الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٥٠
المفهوم من الخبر الآن واسم الخبر على مفهوم الأمر لما كان
ممتنعا وما يتبدل ويختلف باختلاف الاصطلاحات.فالعلم بمعناه لا يكون ضروريا.
وإذا عرف ذلك فقد أجمع الباقون على أن العلم بمفهوم الخبر إنما يعرف بالحد
والنظر لكن اختلفوا في حده فقالت المعتزلة كالجبائي وابنه وأبي عبد الله
البصري والقاضي عبد الجبار وغيرهم إن الخبر هو الكلام الذي يدخله الصدق
والكذب. وقد أورد عليه إشكالات أربعة
الأول أنه منتقض بقول القائل محمد ومسيلمة صادقان في دعوى النبوة
ولا يدخله الصدق وإلا كان مسيلمة صادقا ولا الكذب وإلا كان محمد كاذبا وهو
خبر وكذلك فإن من كذب في جميع أخباره فقال جميع أخباري كذب فإن قوله هذا
خبر ولا يدخله الصدق. وإلا كانت جميع أخباره كذبا وهو من جملة أخباره ولا
يدخله الكذب وإلا كانت جميع أخباره مع هذا الخبر كذبا وصدق في قوله جميع
أخباري كذب.
الثاني أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق والكذب يفضي إلى الدور لأن
تعريف الصدق والكذب متوقف على معرفة الخبر من حيث إن الصدق هو الخبر
الموافق للمخبر والكذب بضده وهو ممتنع.
الثالث إن الصدق والكذب متقابلان ولا يتصور اجتماعهما في خبر
واحدويلزم من ذلك إما امتناع وجود الخبر مطلقا وهو محال وإما وجود الخبر مع
امتناع اجتماع دخول الصدق والكذب فيه فيكون المحدود متحققا دون ما قيل
بكونه حدا له وهو أيضا محال.
الرابع أن الباري تعالى له خبر ولا يتصور دخول الكذب فيه.
وقد أجاب الجبائي عن قول القائل محمد ومسيلمة صادقان بأن هذا الكلام
يفيد صدق أحدهما في حال صدق الآخر فكأنه قال أحدهما صادق حال صدق الآخر.
ولو قال ذلك كان قوله كاذبا فكذلك إذا قال هما صادقان وهو إنما يصح أن لو
كان معنى هذا الكلام ما قيل وليس كذلك بل قوله. هما صادقان أعم من كون
أحدهما صادقا حال صدق الآخر وقبله وبعده. والأعم غير مشعر بالأخص ولا يلزم
من كذب الأخص كذب الأعم.