الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٨٣
لذلك في المستقبل وعلى هذا فما وجد من أمرهم ونهيهم مما لا يعلم
أنه كان في حالة كونه حجة أو في غيرها سلمنا دلالة الآية على ذلك في جميع
الأزمان لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام ولا يلزم مثله في
حق من بعدهم سلمنا أنه خطاب مع الكل لكن ذلك يستدعي كون كل واحد منهم على
هذه الصفة ونحن نعلم خلاف ذلك ضرورة. وإذا كان المراد بالآية بعض الأمة
فذلك البعض غير معين ولإ؛ففللَّهللَّه معلوم فلا يكون قوله حجة.
والجواب عن السؤال الأول ما سيأتي في العمومات كيف وأن الآية إنما
وردت في معرض التعظيم لهذه الأمة وتمييزها على غيرها من الأمم فلو كانت
الآية محمولة على البعض دون البعض لبطلت فائدة التخصيص فإنه ما من أمة إلا
وقد أمرت بالمعروف كاتباع أنبيائهم وشرائعهم ونهت عن المنكر كنهيهم عن
الإلحاد وتكذيب أنبيائهم.
وعن الثاني إنه إما أن تكون ( كان ) هاهنا زائدة أو تامة أو زمانية. فإن كانت زائدة كما في قول الفرزدق فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا كانوا كراما
فإنه جعل ( كراما ) نعتا للجيران وألغى ( كان ) فهي دالة على
اتصافهم بذلك حالا لا في الماضي وإن أفادت نصب خير أمة كما في قوله تعالى ﴿ كيف نكلم من كان في المهد صبيا ﴾[١].
وإن كانت تامة وهي التي تكون بمعنى الوقوع والحدوث ويكتفى فيها باسم واحد لا خبر فيه كما في قوله تعالى ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ﴾[٢]معناه حضر أو وقع ذو عسرة وكقول الشاعر إذا كان الشتاء فأدفئونى فإن الشيخ يهدمه الشتاء
فيكون معنى قوله ﴿ كنتم خير أمة ﴾[٣]أي وجدتم ويكون قوله خير أمة نصبا على الحال فيكون ذلك دليلا على اتصافهم بذلك في الحال لا في الماضي.
>[١]. مريم ١٩. [٢]. ٢ البقرة ٢٨٠. [٣]. ٣ آل عمران ١١٠.