الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٧٥
واحد من هذ الأمور لم تكن الآية مقتضية لتضاعف العذاب على كل
واحد بتقدير الانفراد إجماعا ولو كانت مقتضية لذلك لكان نفي المتضاعف بقوله
﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ﴾[١]
على خلاف الدليل. ولهذا فإنه لو قال لزوجته إن كلمت زيدا وعمرا أو إن كلمت
زيدا ودخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يقع الطلاق بوجود أحد الأمرين ولولا
أن الحكم المعلق على أمرين على العدم عند عدم أحدهما لكان انتفاء الحكم في
هذه الصورة على خلاف الدليل وهو ممتنع والأقرب في ذلك أن يقال لا خلاف في
التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين عند المشاقة. وعند ذلك إما أن يكون
لمفسدة متعلقة أو لا لمفسدة. لا جائز أن يقال بالثاني فإن ما لا مفسدة فيه
لا توعد عليه من غير خلاف وإن كان الأول فالمفسدة في اتباع غير سبيل
المؤمنين إما أن تكون من جهة مشاقة الرسول أو لا من جهة مشاقته. فإن كان
الأول فذكر المشاقة كاف في التوعد كما قيل ولا حاجة إلى قوله ويتبع غير
سبيل المؤمنين وإن كان الثاني لزم التوعد لتحقق المفسدة سواء وجدت المشاقة
أو لم توجد.
قولهم إن ( غير ) مترددة بين أن تكون بمعنى إلا أو بمعنى الصفة قلنا
لا يمكن أن تكون ( غير ) هاهنا صفة لأنه يلزم من ذلك تحريم متابعة سبيل
غير المؤمنين. ويلزم من ذلك أن الأمة إذا أجمعت على إباحة فعل من الأفعال
أن يحرم على المكلف أن يقول بحظره أو وجوبه والمخالف لا يقول بذلك. وبتقدير
أن يكون المراد منه تحريم اتباع سبيل غير المؤمنين فذلك يعم تحريم كل سبيل
هو غير سبيل المؤمنين لأنه سبيل غير المؤمنين. ولهذا فإن من اختار لنفسه
حالة وتمسك بها وكان معروفا بها يقال إنها سبيلة سواء تعددت الأحوال أو
اتحدت. وإذا قيل فلان سلك سبيل التجار فهم منه أنه يفعل أفعالهم ويتزي
بزيهم ويتخلق بأخلاقهم ويجر على عاداتهم .وعلى هذا فيمتنع تخصيص السبيل
المتوعد على اتباعه إذا كان غير سبيل المؤمنين بشيء معين من كفر أو غيره
بل يعم ذلك ما كان مخالفا لطريق الأمة وسبيلهم. كيف وإنا لو لم نعتقد ذلك
لزم منه أن يكون لفظ ( السبيل ) مبهما وهو خلاف الأصل على ما سبق. قولهم
إنه إنما يدل على عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين بمفهومه قلنا إذا
سلم
>[١]. ٢٥ الفرقان ٦٩.