الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٧٤
والجواب قولهم لا نسلم أن ( من ) للعموم سيأتي بيان ذلك في مسائل
العموم. قولهم إن التوعد إنما وقع على الجمع بين المشاقة واتباع غير سبيل
المؤمنين فقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين
إن لم يكن مشروطا بمشاقة الرسول فهو المطلوب وإن كان مشروطا به فيكون
اتباع غير سبيل المؤمنين غير متوعد عليه عند عدم المشاقة مطلقا وذلك باطل
لأن مخالفة الإجماع وإن لم تكن خطأ لكن لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا وما لا
يكون صوابا مطلقا لا يكون جائزا مطلقا وليس بحق لأنه إذا سلم أن مخالفة
الإجماع عند عدم المشاقة ليست خطأ فقوله لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا. قلنا
إن لم تكن صوابا فإما أن يكون عدم الصواب خطأ أو لا يكون خطأ فإن كان
الأول فقد ناقض وإن كان الثاني. فما لا يكون خطأ لا يلزم التوعد عليه وقال
أبو الحسين البصري هذا يقتضي أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل
المؤمنين مع مشاقته للرسول ومشاقة الرسول ليست معصية فقط وإنما هي معصية
على سبيل الرد عليه لأن من صدق النبي عليه السلام وفعل بعض المعاصي لا يقال
إنه مشاق للرسول. ومن كذب النبي عليه السلام لا يصح أن يعلم صحة الإجماع
بالسمع ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورا باتباعه في تلك الحال
وهو غير سديد.
فإن لقائل أن يقول وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه
وأن من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الإجماع ولكن القول بأنه لا يكون
مأمورا باتباع الإجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام وهو
باطل بما سبق تقريره .وقيل في جوابه أيضا إن الوعيد إذا علق على أمرين
اقتضى ذلك التوعد بكل واحد من الأمرين جملة وإفرادا. ويدل عليه قوله تعالى ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ﴾[١] فإنه يقتضي لحوق المأثم بكل واحد من هذه الأمور جملة وبكل واحد على انفراده.
ولقائل أن يقول لا نسلم ثبوت الإثم في كل واحد من هذه الأمور على
انفراده بهذه الآية وإنما كان ذلك مستفادا من الأدلة الخاصة الدالة على
لزوم المأثم بكل واحد من هذه الأمور بخصوصه. ولهذا فإنه لما لم يدل الدليل
الخاص على مضاعفة العذاب بكل
>[١]. ٢٥ الفرقان ٦٨.