الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٠٠
لله تعالى والسجود للصنم وأن يكون الفعل الواحد بالشخص واجبا
حراما من جهتين كوجوب الفعل المعين الواقع في الدار المغصوبة من حيث هو
صلاة وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير فذلك مما جوزه أصحابنا مطلقا
وأكثر الفقهاء.
وخالف في الصورة الأولى بعض المعتزلة وقالوا السجود نوع واحد وهو
مأمور به لله تعالى فلا يكون حراما ولا منهيا بالنسبة إلى الصنم من حيث هو
سجود وإلا كان الشيء الواحد مأمورا منهيا وذلك محال وإنما المحرم المنهي
قصد تعظيم الصنم وهو غير السجود. وخالف في الصورة الثانية الجبائي وابنه
وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر والزيديةوقيل إنه رواية عن مالك .وقالوا الصلاة
في الدار المغصوبة غير واجبة ولا صحيحة ولا يسقط بها الفرض ولا عندها
ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر إلا في سقوط الفرض فإنه قال يسقط الفرض
عندها لا بها مصيرا منهم إلى أن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل الملكف لا
بما ليس من فعله والأفعال الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال
اختيارية محرمة عليه وهو عاص بها مأثوم بفعلها وليس له من الأفعال غير ما
صدر عنه فلا يتصور أن تكون واجبة طاعة ولا مثابا عليها متقربا بها إلى الله
تعالى. لأن الحرام لا يكون واجبا والمعصية لا تكون طاعة ولا مثابا عليها
ولا متقربا بها مع أن التقرب شرط في صحة الصلاة والحق في ذلك ما قاله
الأصحاب.
أما في الصورة الأولى فلضرورة التغاير بالشخصية بين السجود لله
تعالى والسجود للصنم. ولا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر ولا من
الوجوب الوجوب وما قيل من أن السجود مأمور به لله تعالى فإن أريد به السجود
من حيث هو كذلك فهو غير مسلم بل السجود المقيد بقصد تعظيم الرب تعالى دون
ما قصد به تعظيم الصنم. ولهذا قال الله تعالى ﴿ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله ﴾[١] ولو كان كما ذكروه لكان عين المأمور به منهيا عنه وهو محال.
وأما في الصورة الثانية فلضرورة تغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار
اختلاف جهتيه من الغصب والصلاة. وذلك لأن التغاير بين الشيئين كما أنه قد
يقع بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس وبتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو. فقد
يقع التغاير مع اتحاد الموضوع المحكوم عليه شخصا بسبب اختلاف صفاته بأن
يكون المحكوم عليه بأحد
>[١]. ٣٧ فصلت ٤١.