المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٥٩ - منشأ البناء على كون المتكلم في مقام البيان
عن غلبة وجودها .
الثاني : بناء العقلاء على أصالة كون المتكلم في مقام البيان بالنحو المذكور ، لما ذكره بعض المحققين قدس سره من أن العقلاء كما يحكمون بمطابقة مراد المولى الجدي لاستعماله ، وعدم ارادته خلافه ، كذلك يحكمون بأنه إذا كان له مراد جدي يكون بصدد بيانه ، وكونه بصدد اظهار أمر آخر يحتاج إلى التنبيه ، وحيث كان المراد له غير مهمل بل اما مطلق أو مقيد ، فمع فرض عدم التقييد يتعين كونه هو المطلق ، ولا يبنى على الاهمال .
وفيه : أن مخالفة المراد الجدي للاستعمال لما كانت على خلاف مقتضى الطبع حسب ما أودعه الله سبحانه من غريزة البيان وجعله يدركه من وظيفة الكلام ، توجه دعوى بناء العقلاء على أصالة عدمها .
أما القضية المهملة فليست مخالفة للمراد الجدي ، سواء كان هو الاطلاق أم التقييد ، بل مفادها جزؤه الأعم المشترك بين الامرين ، فالحمل عليها بعد كونها المفاد الوضعي للكلام - لا يخالف مقتضى طبع الاستعمال . غاية ما يلزم منه كون المبين بعض المراد ، وليس هو مخالفا للأصل ، إذ كما كان للمتكلم أن لا يبين شيئا من مراده له أن يقتصر على بيان بعضه ، ولم يتضح بناء العقلاء على أنه لو تصدى لبيان مراده في الجملة لزمه استيعابه بالبيان .
ولذا لو سيق غير الاطلاق لبيان دخل شئ في الحكم واحتمل دخل غيره معه فلا يظن من أحد البناء على عدم دخل غيره للأصل المدعى ، فلو قيل :
يتوقف وجوب الحج على ملك الزاد والراحلة ، لا يستفاد منه عدم توقفه على غيره ، ولو قيل : لا صلاة الا بطهور ، لم يستفد عدم دخل غير الطهارة في الصلاة وخصوصية الاطلاق في الأصل المذكور عين المدعى .
الثالث : بناء العقلاء على أن الأصل في الكلام أن يترتب عليه العمل ، لان الغرض من الكلام هو بيان المقاصد مقدمة لاستيفائها بالعمل ، ومن الظاهر أن