المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٧٠ - حقيقة الحسن والقبح وكيفية إدراك العقل لهما
تطابق آراء العقلاء الا لاشتراكهم في العقل الداعي لذلك .
وبالجملة : لا دخل لتطابق آراء العقلاء في ثبوت الحسن والقبح ، ولا في الداعوية لفعل الحسن وترك القبيح ، كما تقدم أنه غير دخيل في اثبات التحسين والتقبيح واقرار الانسان بهما .
هذا ، ولبعض المعاصرين قدس سره في منطقه عند شرح حقيقة الخلقيات من المشهورات كلام يقارب ما ذكرنا لو لم يطابقه ، قال : ( والصحيح في هذا الباب أن يقال : ان الله تعالى خلق في قلب الانسان حسا وجعله حجة عليه يدرك به محاسن الافعال ومقابحها ، وذلك الحس هو الضمير بمصطلح علم الأخلاق الحديث ، وقد يسمى بالقلب أو العقل العملي أو العقل المستقيم أو الحس السليم عند قدماء علماء الأخلاق وتشير إليه كتب الأخلاق عندهم . فهذا الحس في القلب أو الضمير هو صوت الله المدوي في دخيلة نفوسنا يخاطبها به ويحاسبها عليه . ونحن نجده كيف يؤنب مرتكب الرذيلة ، ويقر عين فاعل الفضيلة ، وهو موجود في قلب كل انسان ، وجميع الضمائر تتحد في الجواب عند استجوابها عن الافعال ، فهي تشترك جميعا في التمييز بين الفضيلة والرذيلة ، وان اختلفت في قو ة هذا التمييز وضعفه ، كسائر قوى النفس ، إذ تتفاوت في الافراد قوة وضعفا . ولأجل هذا كانت الخلقيات من المشهورات وان كانت الأخلاق الفاضلة ليست عامة بين البشر ، بل هي من خاصة الخاصة .
نعم الاصغاء إلى صوت الضمير والخضوع له لا يسهل على كل انسان الا بالانقطاع إلى دخيلة نفسه والتحول عن شهواته وأهوائه . . . ) .
وهو كما ترى صريح في أن اقرار عين فاعل الفضيلة وتأنيب مرتكب الرذيلة متفرع على ادراك حسن الأشياء وقبحها ، وأن قوة الادراك مودعة في الانسان غير مكتسبة من تطابق العقلاء ، بل تطابقهم هو المسبب عن واجديتهم للقوة المذكورة .