رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢٢٤ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
ولم يكن إلا أن نفلت الأنفال ، [١] ووسمت بالأوضاح الأغفال ، [٢] وتميّزت الهوادي والأكفال ، [٣] وكان إلى غزو مدينة جيّان الاحتفال ، قدنا إليها الجرد [٤] تلاعب الظلال نشاطا ، والأبطال تقتحم الأخطار رضى بما عند الله واغتباطا ، والمهنّدة الدّلق [٥] تسبق إلى الرقاب استلالا واختراطا ، واستكثرنا من عدد القتال احتياطا ، وأزحنا العلل عمّن أراد جهادا منجيا غباره من دخان جهنم ورباطا ، ونادينا الجهاد! الجهاد! يا أمّة الجهاد! راية النبيّ الهاد! الجنّة تحت ظلال السيوف الحداد! ، فهزّ النداء إلى الله تعالى كل عامر وغامر ، [٦] وائتمر الجمّ من دعوى الحقّ إلى أمر آمر ، وأتى الناس من الفجوج [٧] العميقة رجالا وعلى كل ضامر ، [٨] وكاثرت الرايات أزهار البطاح لونا وعدّا ، وسدّت الحشود مسالك الطريق العريضة سدّا ، ومدّ بحرها الزاخر مدّا ، فلا يجد لها الناظر ولا المناظر حدّا.
وهذه المدينة هي الأمّ الولود ، والجنّة التي في النّار لسكّانها من الكفّار الخلود ، وكرسيّ الملك ، ومجنّبة [٩] الوسطى من السلك ، بات بالمزايا العديدة ونجحت ،
[١] الأنفال ، جمع نفل ؛ وهو الغنيمة. ونفلت : أعطيت.
[٢] الأوضاح ، جمع وضح ؛ وهو البياض. والأغفال : جمع غفل ؛ وهي الناقة والدابة لا توسم لئلا تجب عليها صدقة ، وفي الحديث : (يا رسول الله إني رجل مغفل ، فأين أسم إبلي) ، أي صاحب إبل أغفال لا سمات عليها.
[٣] هوادي كل شيء : أوائله. يريد : تميز الشجعان الذين كانوا يتصدرون المعركة ، من الأكفال (جمع كفل) : وهم الذين يكونون في مؤخر الموقعة همتهم التأخر ، والفرار.
[٤] جمع أجرد ؛ وهو الفرس القصير الشعر ، وذلك من علامات العتق والكرم.
[٥] سيف دلق : سهل الخروج من غمده ؛ والجمع : دلق.
[٦] العامر من الأرض : المستغل. والغامر : الذي يغمره الماء ؛ ويراد به الأرض التي لم تستعمر. يريد : أقبل الناس من كل جانب.
[٧] جمع فج ؛ وهو الطريق البعيد ، والواسع ، والذي بين جبلين.
[٨] الجمل الضّامر : الخفيف الجسم.
[٩] المجنّبة : التي تأخذ مكانها جانب الجوهرة الوسطى من العقد. يريد أن مدينة جيان تحتل المرتبة الثانية بالقياس إلى حضرة الملك.