رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢٢٢ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
النحور ، وتزيّنت الحور. وتبع هذه الأم بنات شهيرة ، وبقع للزّرع والضّرع خيره ، [١] فشفي الثّغر من بؤسه ، وتهلّل وجه الإسلام بتلك الناحية الناجية بعد عبوسه.
ثم أعملنا الحركة إلى مدينة إطريرة ، على بعد المدى ، وتغلغلها في بلاد العدا ، واقتحام هول الفلا وغول الرّدى ؛ مدينة تبنّتها حمص [٢] فأوسعت الدار ، وأغلت الشّوار ، [٣] وراعت الاستكثار ، وبسطت الاعتمار ، [٤] رجّح لدينا قصدها على البعد ، والطريق الجعد ، ما آسفت [٥] به المسلمين من استئصال طائفة من أسراهم ، مرّوا بها آمنين ، وبطائرها المشؤوم متيمّنين ، قد أنهكهم [٦] الاعتقال ، والقيود الثقال ، وأضرعهم الإسار وجلّلهم الانكسار ، فجدّلوهم [٧] في مصرع واحد ، وتركوهم عبرة للرائي والمشاهد ، وأهدوا بوقيعتهم إلى الإسلام ثكل الواجد ، [٨] وترة الماجد ، [٩] فكبسناها كبسا ، وفجأناها بإلهام من لا يضلّ ولا ينسى ، وصبّحتها الخيل ، ثم تلاحق الرجل لمّا جنّ الليل ، وحاق بها الويل ، فأبيح منها الذّمار ، [١٠]
[١] الخيره : المختار من كل شيء ؛ يريد : بقاع مختارة للزرع والضرع.
[٢] يريد إشبيلية ؛ سماها حمص جند بني أمية الذي نزل بها حين جاء من حمص الشام وقد فعلوا ذلك في كثير من مدن الأندلس. وانظر ياقوت ٣ / ٣٤٢.
[٣] الشوار : متاع البيت ؛ ويريد به ما تعارف عليه الفقهاء ، مما يشترى من الصداق الذي يدفعه الزوج ، وتجهز به الزوجة من حلي ، وغطاء ، ووطاء الخ ؛ ذلك لأنه جعل «حمص» أمّا لإطريرة قد زوجتها وجهزتها ، فتغالت ـ لما في الأم من حب لابنتها ـ في هذا الجهاز الخ. فجاء بالألفاظ الفقهية بمعانيها التي اصطلحوا عليها. وانظر شرح تحفة الحكام ١ / ٣٢٦.
[٤] يريد بالاعتمار : الاستعمار ، والاستغلال.
[٥] آسفت : أغضبت ؛ والمعنى متصل بالآية : [فلما آسفونا انتقمنا منهم].
[٦] أنهكهم : أجهدهم ، وأضناهم.
[٧] فجدّلوهم : صرعوهم.
[٨] الثكل : فقد المرأة ولدها ، وفقد الرجل ولده أيضا. والواجد : الحزين.
[٩] الترة : الذحل والثأر. والماجد : الكريم ، ومن له آباء متقدمون في الشرف.
[١٠] الذمار : ما وراء الرجل مما يحق له أن يحميه. والدمار (بالمهملة) : الهلاك.