رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٢٤ - فصل في بيان العلة الداعية إلى تصنيف القياسات المنطقية
فصل في بيان العلة الداعية إلى تصنيف القياسات المنطقية
اعلم يا أخي بان الحكماء الأوّلين، لما نظروا في فنون العلوم و أحكموها، و استخرجوا الصنائع العجيبة و أتقنوها، و استنبطوا عند ذلك لكل علم و صناعة أصلا منه تتفرّع أنواعه، و وضعوا له قياسا يعرف به فروعها، و ميزانا يتبيّن به الزائد و الناقص و المستوي منها، مثل صناعة العروض التي هي ميزان الشعر يعرف بها الصحيح و المنزحف من الأبيات، و مثل صناعة النّحو التي هي ميزان الإعراب يعرف بها اللحن و الصواب في الكلام، و مثل الأسطرلاب الذي هو ميزان يعرف به الأوقات في صناعة النجوم، و مثل المسطرة و البركار و الكونيا[١] التي هي موازين في أكثر الصنائع يعرف بها الاستواء من الاعوجاج، و مثل المكيال و الذراع و الشاهين[٢] و القبّان التي هي موازين يعرف بها الزائد و الناقص و المستوي في البيع و الشّراء في معاملات التجّار، و مثل الحساب الذي هو ميزان العمّال و أصحاب الدواوين.
و اعلم يا أخي بأن هذه المقاييس و الموازين هي حكّام بين الناس، نصبها اللّه الباري، جلّ ثناؤه، بين خلقه قضاة و عدولا تحكم بالحق فيما يختلف الناس فيه من الحكم بالحزر و التخمين، لكيما، إذا تحاكموا إلى الموازين و المكاييل و المقاييس، حكمت بينهم بالحق، و قضي الأمر و انفصل الخطاب و ارتفع الخلف؛ فلما رأى الحكماء المنطقيون اختلاف العلماء في الأقاويل و الحكم على المعلومات بالحزر و التخمين بالأوهام الكاذبة، و منازعتهم فيها، و تكذيب بعضهم بعضا، و ادّعاء كل واحد أن حكمه الحق و خصمه المبطل، و لم يجدوا لهم قاضيا من البشر يرضون بحكمه، لأن ذلك القاضي أيضا يكون أحد الخصوم، فرأوا من الرأي الصواب و الحكمة البالغة أن يستخرجوا بقرائح
[١] -الكونيا: زاوية البنائين. يونانية الأصل.
[٢] -الشاهين: عمود الميزان.