رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٤ - فصل
و اعلم يا أخي بأن اللّه، جلّ ثناؤه، لما بعث أنبياءه و رسله إلى الأمم الجاهلة الغافلة عن هذا الأمر الجليل الخطير، لم يأمرهم و لا كلّفهم شيئا شاقّا سوى ما في وسع طاقتهم من القول و العمل و النّيّة و الإضمار؛ فأوّل شيء أمرهم الأنبياء و طالبوهم به هو الايمان الذي هو إقرار اللسان لهم بما جاءوا به من الأنباء و الأخبار عن أمور غائبة عن حواسّهم، و ترك الجحود و الانكار لها، كما ذكر بقوله جلّ ثناؤه: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ... فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ». فمن أعطاه الاقرار باللسان و ثبت و لم يرجع، كان جزاؤه و مكافأته لإقراره في الدّنيا عاجلا، أن يهدي اللّه قلبه بنور اليقين و يشرح صدره للتصديق بما أخبر به عن الغيب، و ينجّي قلبه من ألم الكرب و التكذيب، و يخلّص نفسه من عذاب الشك و الريبة و الحيرة، كما وعد، جلّ ثناؤه، بقوله: «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ» يعني من يقرّ بلسانه يهد قلبه للتصديق و اليقين و الإخلاص. و قال «وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا» يعني أقرّوا «زادَهُمْ هُدىً» يعني يقينا و استبصارا، «وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ» يعني أزال عنهم الشّكّ و الارتياب.
و اعلم يا أخي بأن المقرّ بلسانه و المنكر بقلبه يكون شاكّا مرتابا متحيّرا دهشا، و هذه كلها آلام للقلوب و عذاب للنفوس، فأراد اللّه، جلّ ثناؤه، أن يخلّص عباده المقرّين لأنبيائه بما جاءوا به، من هذه الآلام و العذاب، فأمر المقرّين بأشياء يفعلونها، و نهاهم عن أشياء ليتركوها: كلّ ذلك ليبلوهم، فمن قبل وصاياه و عمل بها و ثبت عليها، كان جزاؤه و ثواب عمله في الدنيا عاجلا قبل وصوله إلى الآخرة، أن هدى قلوبهم بنور اليقين، و شرح صدورهم من ضيق الشكّ و الرّيبة و الإنكار و الحيرة و الدّهشة و النّفاق، و خلّصهم من عذابها. و أما من ترك الوصيّة و لم يعمل بها، بل خادع و مكر، و أضمر خلاف ما أظهر، و أسرّ غير ما أعلن، و أحلف الوعد، و أقام على هذه المساويء و المخازي، كان جزاؤه و عقوبته أن يترك