رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٣٤ - فصل
و اعلم يا أخي بأن هذه هي أمّهات أخلاق الكرام من أولياء اللّه الذين أشار اليهم بقوله: «وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً[١]» إلى آخر الآية، و قوله: «رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً» و هي أخلاق الملائكة الذين أشار اليهم بقوله جلّ ثناؤه: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ، وَ مَنْ حَوْلَهُ» الآية.
انظر الآن يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، إلى ما ذكرناه من أخلاق الكرام، و تفكّر فيها إن كنت تريد أن تكون من أولياء اللّه و أهل جنّته، و من حزب ملائكته الكرام البررة؛ فاقتد بهم و تخلّق بأخلاقهم باجتهاد منك و رويّة، و عناية شديدة، و كثرة استعمال لها، و طول دربة بها، لتصير لك عادة و طبيعة و جبلة مركوزة، و تبقى في نفسك مصوّرة عند المفارقة، ودع اخلاق إخوان الشياطين و جنود إبليس أجمعين، و اعلم علما يقينا بأن ليس يصحب الإنسان بعد الموت عند مفارقة النفس الجسد، و يبقى معه من كل ما يملك في الدّنيا من المال و الأهل و المتاع، إلّا ما كسبت يداه من هذه الأخلاق و الأعمال المشاكلة لها، و العلوم و المعارف و الآراء التي اعتقدها و أضمرها كما قال رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم: انما هي أعمالكم تردّ اليكم. و قال اللّه، جلّ ثناؤه: «وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً».
و اعلم يا أخي بأن أخلاق بني الدّنيا و سجاياهم انما جعلت طبيعة مركوزة في الجبلة، لأنهم وردوا إلى الدّنيا جاهلين غير مستعدين لها، فأزيحت عللهم في ذلك. فأما أبناء الآخرة فصارت أخلاقهم مكتسبة معتادة، لأنهم أزيحت عللهم قبل ورودهم إلى الآخرة، بما أعملوا بها و أخبروا عنها و بشّروا بها و أنذروا منها و جدّوا في طلبها، و أوضح لهم طريقا و أزيحت عللهم فيما يحتاجون اليه من البيان و الاستطاعة و القدرة و الهداية و الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب و ما شاكل ذلك مما هو بيّن واضح في أحكام
[١] -هونا: اي بسكينة و تواضع.