رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٣٣ - فصل
فيها و كثرة الاستعمال لها، و عليها يجازون و يثابون، كما ذكر اللّه تعالى بقوله:
«وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى، وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى».
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، بأنك إذا أنعمت النظر بعقلك، و فكرت برويّتك، و تأمّلت أوامر الناموس و نواهيه و أحكامه و حدوده و ترغيبه و ترهيبه و وعده و وعيده و زجره و تهديده، عرفت و تبيّنت أن أكثر أوامره هي بخلاف ما في طباع الناس، و نواهيه عما هو في الجبلة مركوز من تركّب الشهوات، أو طلب الرّاحة و النعيم و التّلذّذ، و ما هو مركوز في الجبلة؛ و ذلك انه أمر بالصيام و ترك الأكل و الشّرب عند شدّة الجوع و العطش، و بالطهارة عند البرد، و بالقيام في الصلاة و ترك النوم على الفراش الوطيء، و بالمواساة عند القلّة و شدّة الحاجة، و بالتعفّف عند هيجان الشهوة، و بالحلم عند سورة الغضب، و بالشجاعة عند المخاوف، و بالعفو عند المقدرة، و بالعدل عند الحكومة[١]، و بالصبر عند الشدائد، و بالرضى عند مرّ المقادير، و بحسن العزاء عند المصائب، و بالاجتهاد و التشمير عند الكسل، و بصدق القول عند شدّة الخوف منه، و بالسخاء عند شدّة الفقر، و بوفاء العهد عند المغيب، و بالزّهد في الدّنيا عند التمكّن منها، و ما شاكل هذه الأفعال و الأعمال و الأخلاق و السجايا التي في الجبلة خلافها، و في الطباع مركوز غيرها، و يروى في الخبر انه سئل رسول اللّه، صلى اللّه عليه و آله، عن معنى قول اللّه عزّ و جلّ: «خُذِ الْعَفْوَ، وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ»، فقال:
جمع في هذه الآية مكارم الأخلاق، و هي سبعة: عفوك عمن ظلمك، و إعطاؤك من حرمك، وصلتك لمن قطعك، و احسانك إلى من أساء إليك، و نصيحتك لمن غشّك، و استغفارك لمن اغتابك، و حلمك عمّن أغضبك.
[١] -الحكومة: القضاء.