رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨٠ - فصل في أن موضوع الصناع نوعان
و تأثيراتها، و من أجل هذا قالت الحكماء ان الثواني من الأمور تحكي أوائلها، كما يحكي الصبيان في لعبهم صناعة الآباء و الامّهات و الأستاذين.
و اعلم يا أخي بأنه لا بدّ لكلّ صانع من البشر من تحريك عضو من أعضائه في صناعته، أو عدة أعضاء، كاليد و الرجل و الظهر و الكتف و الرّكبة؛ و بالجملة ما من عضو في الجسد إلا و للنفس بذلك العضو فعل أو عدة أفعال، خلاف ما يكون بعضو آخر، فإن أعضاء الجسد هي آلات للنفس، و أدوات لها، و قد بينّا طرفا من ذلك في رسالة تركيب الجسد، و في رسالة الحاسّ المحسوس، و في رسالة العقل و المعقول، و في رسالة الإنسان عالم صغير.
فصل في أن موضوع الصناع نوعان
و اعلم يا أخي بأنه لا بدّ في كل صنعة من موضوع يعمل الصانع منه و فيه صنعته، فالموضوع في صناعة البشريين نوعان: روحانيّ و جسمانيّ. فالروحاني هو الموضوع في الصّناعة العلميّة، كما بيّنا في رسالة المنطق، و الجسمانيّ هو الموضوع في الصّناعة العلمية، و هو نوعان: بسيطة و مركّبة، فالبسيطة هي النار و الهواء و الماء و الأرض، و المركبة ثلاثة أنواع، و هي الأجسام المعدنية، و الأجسام النباتية، و الأجسام الحيوانية.
فمن الصنائع ما هي الموضوع فيها الماء حسب، كصناعة الملّاحين و السّقّائين و الروّائين[١] و الشرّابين و السبّاحين و من شاكلهم؛ و منها ما هي الموضوع فيها التّراب حسب، كصناعة حفّار الآبار و الانهار و القنيّ و القبور و المعادن، و كلّ من ينقل التّراب و يقلع الحجارة؛ و منها ما هي الموضوع فيها النّار حسب، كصناعة النفّاطين[٢] و الوقّادين و المشعلين؛
[١] -الروّائين: حملة الماء.
[٢] -النفاطين: الذين يرمون النفط مشتعلا في الحروب، و الذين يستخرجونه من النفّاطات.