القواعد الکلامیه - الرباني الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ٧٣ - ٣- الكذب قد يحسن
ذكر الرازي في هذا الكلام أمورا ثلاثة هي:
١. دليل الأشاعرة على نفي كون الحسن و القبح ذاتيان للأفعال، و هو أنّ الحسن و القبح لو كانا ذاتيين للأفعال لما اختلفا. أي لما حسن القبيح و لما قبح الحسن، و التالي باطل، فإنّ الكذب قد يحسن و الصدق قد يقبح، و ذلك إذا تضمّن الكذب إنقاذ نبيّ من الهلاك و الصدق إهلاكه» . ١
٢. إجابة العدلية و نقدهم على هذا الدليل بوجهين:
الأوّل: الواجب على المكلّف فيما يستلزم الكذب إهلاك النبيّ مثلا هو التورية، لا الكذب، بأن يضمر في نفسه معنى لا يستفاد من ظاهر كلامه.
الثاني: أنّ عنوان الكذب ليس علّة تامة للقبح، بل مقتضي له، و ذلك مشروط بعدم طروء عنوان آخر عليه أقبح من الكذب كإهلاك النبيّ و نحوه.
٣. نقد الرازي على الجوابين، أمّا الأوّل: فلأنّ لازمه انتفاء الكذب من أصله مطلقا لجواز إضمار معنى مخالفا لظاهر الكلام في كلّ كذب، و أمّا الثاني: فلأنّ لازمه انتفاء حكم الكذب، أي قبحه، مطلقا، لاحتمال طروّ عنوان عليه لا يطّلع عليه أحد.
أقول: يجاب عن إشكاله الأوّل: بأنّ التعريض في الكلام (التورية) ليس أمرا خفيفا سهلا يتمكّن منه جميع الأشخاص و في جميع الحالات، و إنّما يستطيع منها ذوو الفطانة، و الكياسة، فلا يلزم من تجويزه انتفاء الكذب مطلقا، أضف إلى ذلك، أنّ من شرائطها ترتّب عنوان راجح كنجاة النفس و النفيس ممّا له حرمة عند العقل و الشرع، لا مطلق الأغراض و الدواعي و إن كانت عن سفاهة و عبث.
و يجاب عن إشكاله الثاني: بأنّ الذي يحتمل مانعيته عن تأثير الكذب في القبح، ليس إلاّ أمرا عقليا أو شرعيا، و العقل لا يخطأ في ملاكاته، كما أنّ الشرع بيّن
[١] شرح التجريد للفاضل القوشجي، ص ٣٣٩.