القواعد الکلامیه - الرباني الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ٨٧ - المصالح و المفاسد و أفعاله تعالى
و هذا هو الذي يسوّغ لنا أن نبحث عن المعارف الدينية، الاعتقادية أو عملية كما نبحث عن المعارف الاجتماعية، اعتقادية أو عملية، و أن نستند في المعارف الدينية من الآراء العقلية و القضايا العملية بعين ما نستند إليه في المعارف الاجتماعية، فاللّه سبحانه لا يختار لعباده من الوظائف و التكاليف إلاّ ما فيه المصلحة التي تصلح شأنهم في دنياهم و آخرتهم، و لا يأمر إلاّ بالحسن الجميل، و لا ينهى إلاّ عن القبيح الشائه الذي فيه فساد دين أو دنيا، و لا يفعل إلاّ ما يؤثره العقل، و لا يترك إلاّ ما ينبغي أن يترك.
إلاّ أنّه تعالى ذكّرنا مع ذلك بأمرين:
أحدهما: أنّ الأمر في نفسه أعظم من ذلك و أعظم، فإنّ ذلك كلّه معارف مأخوذة من مواد الآراء الاجتماعية، و هي في الحقيقة لا تتعدّى طور الاجتماع، و لا ترقى إلى عالم السماء كما قال: إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ^ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتٰابِ لَدَيْنٰا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (الزخرف/٤ . و قال في مثل ضربه: أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهٰا فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً رٰابِياً وَ مِمّٰا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنّٰارِ اِبْتِغٰاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتٰاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اَللّٰهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْبٰاطِلَ. .
(الرعد/١٧ . و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم» إلى غير ذلك ممّا ورد في الكتاب و السنّة.
و ليس معنى هذا البحث نفي الحسن و المصلحة مثلا عن أفعاله تعالى بمعنى إثبات ما يقابله حتى يستتبع ذلك إثبات القبح و المفسدة، أو سقوط أفعاله عن الاعتبار العقلاني كأفعال الصبيان تعالى عن ذلك، كما أنّ نفي البصر بمعنى الجارحة عن العقل لا يوجب إثبات العمى له أو سقوطه عن مرتبة الإدراك، بل تنزيهه عن النقص.
و ثانيهما: أنّ جهات الحسن و مزايا المصالح و إن كانت تعلّل بها أفعاله تعالى و شرائع أحكامه و تبيّن بها وظائف العبودية كما تعلّل بها ما عندنا من الأحكام