القواعد الکلامیه - الرباني الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ٥٣ - ب قضايا الحسن و القبح بين الشهرة و اليقين
فهو ما يوجبه الفطرة» . ١
فنحن لا نشكّ في أنّ كلّ إنسان عاقل-على ما وصفه الشيخ-إذا عرض على ذهنه قضية حسن العدل و قبح الظلم، لا يشكّ في التصديق بهما، و وزان تصديقه بهما وزان تصديقه بأنّ الاثنين نصف الأربعة، و أنّ الكلّ أعظم من جزئه، و من هنا كان إنكارها إنكارا للبديهيات، و تعدّ عند العقلاء سفسطة، يقول العلاّمة الحلّي: «إنّ من الأفعال ما هو معلوم الحسن و القبح بضرورة العقل، كعلمنا بحسن الصدق النافع، و قبح الكذب الضارّ، فكلّ عاقل لا يشك في ذلك، و ليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم بافتقار الممكن إلى السّبب، و إنّ الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية-إلى أن قال: -و منكر الحكم الضروري سوفسطائي» . ٢
هذا كلّه في أنّ قسما من قضايا الحسن و القبح بديهي ضروري، و أمّا أنّ لها واقعية في نفس الأمر قد تطابقها فتكون صادقة و قد لا تطابقها فتكون كاذبة، فقد عرفت أنّها تابعة لملاكات حقيقية ثابتة، من كونها مشتملة على المصالح و المفاسد النوعية، و موافقة للفطرة أو غير موافقة لها، و كونها في سبيل الكمال الوجودي و عدمه بناء على الملاكات التي سبق الكلام عنها، و هذه حقائق ثابتة في نفس الأمر تبتنى عليها قضايا العقل في الحسن و القبح في الأفعال.
نعم لو أريد من الحسن و القبح نفس المدح و الذمّ الحاصلين من العقل، أو الأمر و النهي الجائيين من الشارع، فلا واقعية لها سوى تطابق الآراء و في وعاء الاعتبار، لكن إذا لوحظت مبادئ ذلك المدح و الذم و الاعتبار و ملاكاتها كان لها حظ وافر من الواقعية، و يمكن قياسها في ذلك إلى المفاهيم الفلسفية كالعلّية و المعلوليّة و غيرهما، فإنّها منتزعة من الحقائق الوجودية و نعوت لها، و إن لم تكن لها مصاديق مستقلة، وراء مصاديق المفاهيم الماهوية (المعقولات الأوّلية) .
[١] النجاة، قسم المنطق، ص ٦٢.
[٢] نهج الحق و كشف الصدق، ص ٨٢-٨٣.