ثبوت الهلال في الأماكن المتباعدة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٢١ - ردود عن الاعتراضات
(الشاهد الخامس): معتبرة محمد بن عيسى قال كتب إليه أبو عمرو: أخبرني يا مولاي أنّه ربما أشكل علينا هلال رمضان فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علة فيفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا: إنه يُرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس. فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقّع (ع): «لا تصومنّ من الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته».
ووجه الاستشهاد بهذه الرواية هو دلالة كلام السائل على ارتكاز فكرة اختلاف الآفاق في ذهنه بحيث لم يكن يشك في أنه على تقدير صحّة قول الحسّاب من رؤية الهلال في تلك الليلة بمصر وإفريقية والأندلس سيختلف الفرض على أهل الأمصار، أي يكون صيام رمضان واجباً على خصوص من كان الهلال قابلًا للروية في بلدانهم، ولم يخطر بباله احتمال أن يجب الصيام على أهل بلده بالرغم من عدم قابلية الهلال فيه للرؤية وإن رئي في بلد آخر.[١]
______________________________
(١)
يرد على الاستشهاد بهذه الرواية:
أوّلًا: إنّ الارتكاز المدّعى الذي يكشف عنه سؤال السائل في الرواية هو أنّه لو بني أمر الهلال على حساب الحسّاب لأدّى إلى اختلاف الفرض على أهل الأمصار لاختلاف الهلال الذي يثبتونه في حسابهم بين الأقطار والأمصار، وهذا لا يلازم اختلاف الفرض على أهل الأمصار بناءً على عدم الاعتبار بحساب الحُسّاب والبناء على ثبوت الشهر برؤية الهلال وكفاية رؤيته في مكان واحد عن رؤيته في ساير الأماكن.
[١] يرد على الاستشهاد بهذه الرواية:
أوّلًا: إنّ الارتكاز المدّعى الذي يكشف عنه سؤال السائل في الرواية هو أنّه لو بني أمر الهلال على حساب الحسّاب لأدّى إلى اختلاف الفرض على أهل الأمصار لاختلاف الهلال الذي يثبتونه في حسابهم بين الأقطار والأمصار، وهذا لا يلازم اختلاف الفرض على أهل الأمصار بناءً على عدم الاعتبار بحساب الحُسّاب والبناء على ثبوت الشهر برؤية الهلال وكفاية رؤيته في مكان واحد عن رؤيته في ساير الأماكن.. والحاصل أنّ غاية ما تكشف عنه الرواية من المركوز في ذهن السائل هو اختلاف الفرض على أهل الأمصار على تقدير كون الملاك في ثبوت الشهر حساب الحُسّاب المختلف في إثبات الهلال بين منطقة وأخرى، أمّا اختلاف الفرض على تقدير كون الملاك في ثبوت الشهر هو الرؤية فليس في الرواية ما يدل على كونه أيضاً مركوزاً في ذهن السائل، بل عبارته تدل على أنّ فكرة اختلاف الأمصار في ذهنه متفرعة ومبنية على جواز ما قال الحسّاب لا غير، فإنّ قوله:« هَل يَجُوزُ يَا مَوْلايَ مَا قَال الحُسَّابُ فِي هَذَا البَابِ حَتَّى يَخْتَلِفَ الفَرْضُ عَلى أَهْلِ الأمصار فَيَكُونَ صَوْمُهُمْ خِلافَ صَوْمِنَا وفِطْرُهُمْ خِلافَ فِطْرِنَا» ظاهر ظهوراً بيّناً في أن المركوز في ذهن السائل اختصاص اختلاف الفرض على أهل الأمصار بالبناء على قول الحسّاب، بخلاف ما إذا بني الأمر على الاعتبار بالرؤية فإنّ المركوز في ذهن السائل أنّه لا يؤدّي إلى اختلاف الفرض على أهل الأمصار، ولذلك نجد السائل يقول:« رُبَّمَا أَشْكَل عَليْنَا هِلالُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلا نَرَاهُ ونَرَى السَّمَاءَ ليْسَتْ فِيهَا عِلةٌ فَيُفْطِرُ النَّاسُ ونُفْطِرُ مَعَهُمْ» فإنّنا نجد هنا بوضوح أنّ السائل فرّع قوله« فَيُفْطِرُ النَّاسُ ونُفْطِرُ مَعَهُمْ» على عدم الرؤية، ومن الواضح- وخاصّة بقرينة المقابلة- أنّ المقصود بالنّاس هنا جميع النّاس من مختلف الأمصار، فانّ قرينة المقابله بين هذه الصورة والصورة الأخرى- وهي قبول قول الحسّاب وتفريع اختلاف فرض أهل الأمصار على خصوص الصورة الثانية- يجعل الكلام ظاهراً ظهوراً بيناً في أنّ السائل يفترض أنّ البناء على معيارية الرؤية لإثبات بداية الشهر يعني أنّ الرؤية واحدة لجميع أهل الأمصار فيقول« فيفطر الناس ونفطر معهم» وهذا يوافق ما أكدته الروايات السابقة التي تعرّضنا لها من أنّ الرؤية تكفي لجميع الأمصار، أمّا البناء على معياريه قول الحسّاب في إثبات بداية الشهر فإنّه يعني.- حسب المرتكز الآخر لدى السائل- اختلاف الفرض بين أهل الأمصار لاختلاف بداية الشهر على قول الحسّاب بين منطقة وأُخرى.
و حينئذ فإذا بنينا على أنّ في قوله( ع):
« لا تَصُومَنَّ الشَّكَّ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وصُمْ لِرُؤْيَتِهِ»
. إقراراً للمركوز عندالسائل، فهو إنّما ينسجم مع المرتكز الأوّل فلا يكون إلا إقراراً له، وأمّا المرتكز الثاني ففي نفي الإمام جواز الاعتماد على قول الحسّاب من أساسه وإقراره للمرتكز الأوّل الذي تضمّنه قول السائل« فيفطر الناس ونفطر معهم» كفاية في إلغاء اعتبار المرتكز الثاني.
ثانياً: إنّ سؤال السائل عن جواز قول الحسّاب في إثبات الهلال وتفريعه عليه اختلاف الفرض على أهل الأمصار يدل على كون اختلاف الفرض على أهل الأمصار أمراً مستغرباً لدى السائل ممّا أدّى به إلى أن يسأل الإمام عن جواز الاعتماد على قول الحسّاب لما يؤدّي إليه من اختلاف الفرض، وهذا يعني أنّ اختلاف الفرض على أهل الأمصار لم يكن أمراً معهوداً مقبولًا لدى المتشرّعة وإلا لم يكن وجه لتفريع اختلاف الفرض على أهل الأمصار على جواز قول الحسّاب في سؤال السائل، فإنّه لو كان لكل بلد رؤيته وللشهر في كل مكان بداية تختلف عنها في مكان آخر كان اختلاف الفرض على أهل الأمصار أمراً شايعاً معهوداً بين المسلمين، فلم يكن وجه لتفريعه على خصوص جواز قول الحسّاب في سؤال السائل. فكلام السائل وتفريعه هذه النتيجة على خصوص فرض جواز قول الحسّاب دليل واضح بنفسه على رفض فكرة اختلاف البلدان في ثبوت الهلال، وقرينة أخرى على صحّة ما ذكرناه في الجواب الأوّل من ارتكازية اتّحاد ثبوت الهلال بين الأماكن المختلفة في ذهن السائل.