ثبوت الهلال في الأماكن المتباعدة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٤٠ - الأمر الثاني كفاية رؤية الهلال بالآلات أو عدمها
إن قيل: إنّ الروايات التي تسلب عنوان الرؤية عن رؤية الواحد لا نظر لها إلى الرؤية بالعين الآليّة التي يتحقّق بها اليقين بوجود الهلال؛ لعدم وجود آلات للرؤية البعيدة في عصر النّصّ، بل هي ناظرة إلى رؤية الواحد أو الاثنين التي لا تورث اليقين، بل يحتمل فيها خطأ الحسّ، فسلب عنوان «الرؤية» عن «رؤية الواحد المنفكّ عن رؤية الآخرين» بمعنى: سلب عنوان «الرؤية» عن «الرؤية غير الموجبة لليقين بالهلال». ومن المعلوم أنّ الرؤية بالآلات الحديثة رؤية بريئة عن عوارض الخطأ الحسّيّ، بل هي رؤية موجبة لليقين بوجود المرئيّ.
قلنا: إنّ رؤية الواحد والاثنين الموجبة لليقين للرائي مع انفكاكه عن رؤية السائرين، لم تكن أمراً عديم المصداق في عصور النّصّ؛ فقد كان هناك أناس يملكون من حدّة النظر ما يفوقون به القدرة البصريّة العاديّة المتاحة للعامّة من الناس، وقد اشتهر منذ القديم حديث «زرقاء اليمامة» التي كانت ترى الأشياء من مسافات بعيدة جداً، تعجز عنها قوّة الإبصار العاديّة لدى العامّة من الناس، وقد جاء في تاريخ الطبريّ بشأنها- في حديث عن هجوم حسّان بن تبع في قبيلة حمير على قبيلة جديس التي كانت تسكن اليمامة- قال: «فخرج حسّان في حمير، فلمّا كان من اليمامة على ثلاث قال له رياح- رجل من جديس كان قد لجأ إلى حسّان مستظهراً به على جديس- أبَيتَ اللعن! إنّ لي أختاً متزوجة في جديس، يقال لها: اليمامة، ليس على وجه الأرض أبصر منها، إنّها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث، وإنّي أخاف أن تنذر القوم بك، فمُر أصحابك، فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهي في يده،