ثبوت الهلال في الأماكن المتباعدة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٣١ - ردود عن الاعتراضات
عقلائي يقتضي كونه في مقام البيان من الجهة الثانية ليمكن التمسك بالإطلاق من هذه الجهة أيضاً.[١]
______________________________
(١)
الإشكال على إطلاق صحيحة هشام وموثّقة سماعة غير وارد، وذلك لما سنوضحه في نقطتين
نبحث في الأُولى عن صحيحة هشام، وفي الثانية عن موثّقة سماعة.
اما صحيحة هشام فنصّها كالتالي:
عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (ع):
«فِيمَنْ صَامَ تِسْعَةً وعِشْرِينَ؟ قَال إِنْ كَانَتْ لهُ بَيِّنَةٌ عَادِلةٌ عَلى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلاثِينَ عَلى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً» ١.
والجواب على ما أشكل به سيدنا الإمام السيستاني- على دلالة الرواية على كفاية الرؤية في البلد البعيد المتّفق مع البلد الآخر في جزء من الليل عن رؤية الهلال في البلد الآخر- يتمّ ضمن أمرين:
الأمر الأول: الرواية هنا تتضمّن قرينة واضحة تكشف عن شمول كلمة «أَهْلِ مِصْرٍ» للبلد البعيد أيضاً، والقرينة هي أنّ ظاهر الرّواية ورودها في مورد قيام البينة على ثبوت الهلال في البلد البعيد، وذلك لأنّ قوله «إِنْ كَانَتْ لهُ بَيِّنَةٌ عَادِلةٌ عَلى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلاثِينَ عَلى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً» يعني أنّ البينة العادلة إنّما تشهد على الرؤية- أي رؤية هلال شهر رمضان- بعد مضيّ ثلاثين يوماً على رؤية هلال شهر رمضان، وهذا يعني أن البيّنة قد صامت شهر رمضان كله ثم سافرت إلى البلد الذي شهدت فيه على الرؤية فلابد لهذه البينة أن تكون قد قطعت المسافة بين البلد الذي رؤي فيه الهلال، والبلد الآخر الذي شهدت فيه بالرؤية بعد انقضاء شهر رمضان، وهذا يعني مسافة زمنيّة قدتقرب من الشهر أيضاً، فلابدّ أنتكون المسافة بين البلد مسافة
(١) المصدر السابق، الباب ٥، الحديث ١٣.
[١] الإشكال على إطلاق صحيحة هشام وموثّقة سماعة غير وارد، وذلك لما سنوضحه في نقطتين نبحث في الأُولى عن صحيحة هشام، وفي الثانية عن موثّقة سماعة.
اما صحيحة هشام فنصّها كالتالي:
عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله( ع):
« فِيمَنْ صَامَ تِسْعَةً وعِشْرِينَ؟ قَال إِنْ كَانَتْ لهُ بَيِّنَةٌ عَادِلةٌ عَلى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلاثِينَ عَلى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً» ١.
والجواب على ما أشكل به سيدنا الإمام السيستاني- على دلالة الرواية على كفاية الرؤية في البلد البعيد المتّفق مع البلد الآخر في جزء من الليل عن رؤية الهلال في البلد الآخر- يتمّ ضمن أمرين:
الأمر الأول: الرواية هنا تتضمّن قرينة واضحة تكشف عن شمول كلمة« أَهْلِ مِصْرٍ» للبلد البعيد أيضاً، والقرينة هي أنّ ظاهر الرّواية ورودها في مورد قيام البينة على ثبوت الهلال في البلد البعيد، وذلك لأنّ قوله« إِنْ كَانَتْ لهُ بَيِّنَةٌ عَادِلةٌ عَلى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلاثِينَ عَلى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً» يعني أنّ البينة العادلة إنّما تشهد على الرؤية- أي رؤية هلال شهر رمضان- بعد مضيّ ثلاثين يوماً على رؤية هلال شهر رمضان، وهذا يعني أن البيّنة قد صامت شهر رمضان كله ثم سافرت إلى البلد الذي شهدت فيه على الرؤية فلابد لهذه البينة أن تكون قد قطعت المسافة بين البلد الذي رؤي فيه الهلال، والبلد الآخر الذي شهدت فيه بالرؤية بعد انقضاء شهر رمضان، وهذا يعني مسافة زمنيّة قدتقرب من الشهر أيضاً، فلابدّ أنتكون المسافة بين البلد مسافة
( ١) المصدر السابق، الباب ٥، الحديث ١٣.
. بعيدة غير قريبة، لأنّ المسافة بين البلدين لو كانت مسافة قريبة لما طال وصول خبر رؤية هلال رمضان مدة تزيد على ثلاثين يوماً على أقل التقادير، فإنّ خبر رؤية هلال رمضان وكذا شوال لأهميتهما واهتمام المتشرّعة بهما بوجه خاص ينتقل ويشيع بين المناطق القريبة بشكل سريع، فلا يعقل أن يكون الهلال قد رؤي في مكان قريب من البلد الذي قدمت إليه البيّنة ثم لم يصل الخبر إلى هذا البلد إلا بعد اكثر من ثلاثين يوماً.
فاستغراق وصول خبر الرؤية مدّة تزيد على الثلاثين قرينة واضحة على كون البلد
الذي جاءت البينه منه بلداً بعيداً يستغرق قطع المسافة بينه وبين البد الذي شهدت فيه بالرؤية أو بالصيام للرؤية مدّة تزيد عن الشهر، وهي مدة لا تقطع فيها إلا المسافات البعيدة، فهذه قرينة واضحة ليس على شمول« أهل مصر» للبلد البعيد فحسب، بل إرادة البلد البعيد منه على وجه الخصوص.
و أمّا موثّقة سماعة، ونصّها كالتالي:
روى الصدوق بإسناده عن سماعة أنه سأل أباعبدالله( ع):
« عَنِ اليَوْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يُخْتَلفُ فِيهِ، قَال: إِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ المِصْرِ عَلى صِيَامِهِ لِلرُّؤْيَةِ فَاقْضِهِ إِذَا كَانَ أَهْلُ المِصْرِ خَمْسَمِائَةِ إِنْسَان» ١.
فلا علاقة لها بما نحن فيه، ولم يستدل بها السيد الخوئي ولا غيره لإثبات وحدة ثبوت الهلال بين الأماكن المتباعدة، بل هي- كما هو واضح- ناظرة إلى حجية الشياع في إثبات الهلال، وتبين أنّ الشياع المعتبر الذي يثبت به الهلال في بلد مّا هو أن يشتمل ذلك البلد على ما لا يقل على خمسمئة إنسان.
( ١) من لا يحضره الفقيه، ج ٧٧: ٢، ورواها في الوسائل في أبواب أحكام شهر رمضان، الباب ١٢، الحديث ٧، مع حذف الألف واللام في كلمة« مصر».
. فلا شباهة بين مضمون هذه الرواية ومضمون صحيحة هشام بن الحكم الواردة في بلدين تشهد البينة القادمة من أحدهما- في البلد الآخر- على أنّ اهل البلد الأوّل قد صامت شهر رمضان كله ثلاثين يوماً على رؤيته، وأنّ هذه الشهادة تكفي لإثبات الهلال في البلد الآخر ووجوب قضاء اليوم الذي فات من صوم شهر رمضان على أهل البلد الاخر.
فمن المستغرب جدّاً ما جاء في كلام سيدنا الإمام السيستاني من أنّ صحيحة هشام بن الحكم متحده في المضمون مع معتبرة سماعة وأنّ كلتيهما في صدد بيان لزوم عدم
وجود معارض حكمي للشهادة على رؤية الهلال في البلد الآخر بأن تكون الرؤية قد ثبتت فيها بالشياع القطعي أو بالبيّنه غير المعارضة ببينة النفي، وذلك:
أوّلًا: لأنّ صحيحة هشام بن الحكم واضحة في ورودها بشأن بلدين متباعدين، وأنّ قيام البينة على رؤيته في أحدهما وصيام الناس فيه بعد الرّؤية ثلاثين يوماً تكفي لإثبات الرؤية في البلد الثاني البعيد عن البلد الأوّل بالقرينة التي أشرنا إليها سابقاً وهي كون البينة إنّما قامت على صيامهم ثلاثين يوماً بعد الرّؤية، وأنّ من غير المعقول أن لا يصل خبر الرؤية من ذلك البلد إلي البلد الثاني إلا بعد أكثر من ثلاثين يوماً وأنّ أهل البلد الثاني يجب عليهم قضاء اليوم الذي فاتهم من صوم شهر رمضان بناءً على ثبوت الهلال لأهل البلد الأول.
الأمر الثاني: لا قرينة مطلقاً في صحيحة هشام على كونها بصدد بيان لزوم عدم وجود معارض حكمي للشّهادة على رؤية الهلال في بلد آخر، بل الظاهر من الرواية- باعتبار ورودها جواباً عن سؤال السائل- أنّها بصدد بيان كفاية ثبوت الهلال في بلد آخر في وجوب قضاء اليوم الذي لم يصمه السائل، فإنّ سؤال السائل ليس عن ثبوت الهلال في البلد الآخر وحكمه وأنّه متى يثبت الهلال منه بالشهادة ليرد ما ذكره الإمام. السيستاني( قدس سره)؛ بل الظاهر ظهوراً بيّناً- خاصّةً بالنظر إلى سؤال السائل- أنّه بصدد الجواب عن سؤال السائل الذي سأل عن تكليفه بعد صوم تسعة وعشرين يوماً مع أنّ أهل البلد الآخر صاموا ثلاثين يوماً، فجاء الجواب عن سؤال السائل بأنّ صوم أهل البلد الآخر ثلاثين يوماً إن كان مستنداً إلى ثبوته عندهم بالشياع كفى ذلك في وجوب قضاء السائل صوم يوم الثلاثين، وأمّا افتراض ثبوت الشياع، فلأنّ المفروض أنّ الطريق إلى ثبوت الهلال في ذلك البلد للسائل يكاد ينحصر بالشياع عند أهل ذلك البلد لعدم تمكنه عادتاً عن الفحص عن البيّنة بعد مضيّ مدّة معتدّ بها من زمن ثبوت الهلال ورؤيته.
و أمّا موثّقة سماعة فلم ترد بشأن بلدين، بل هي صريحة في ورودها بشأن بلد واحد وخاصة أنّ كلمة« مصر» وردت في هذه الموثّقة مع الألف واللّام الدّالة على التعيين، فالموثّقة واردة بشأن بلد واحد تتعارض فيه البينتان بقرينة قوله« عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه» فإنّ الاختلاف فيه ليس راجعاً إلى اختلاف من رأى الهلال مع من لم ير الهلال وإلا لزم على من رأى الهلال أن يعمل بما يثبت عنده من الهلال بالرؤية، لا أن يرجع إلى الشياع لدى أهل البلد، فلابد أن يرجع الاختلاف إلى وجود بينتين متعارضتين، فيتساقطان بالتعارض، ويكون المرجع حينئذٍ الشياع لدى أهل البلد، فإن قام الشياع على ثبوته قبل يوم وجب عليه أن يقضي ذلك اليوم. والشياع المعتبر كما عرّفَتْه الرّواية هو أن يكون الشياع بين ما لا يقل عن خمسمأة إنسان في بلد واحد.
و ثانياً: أنّ ظاهر موثّقة سماعة- كما أشرنا- أنّها واردة في مورد الاختلاف، والاختلاف المفروض- كما ذكرنا- لا يكون إلا بسبب اختلاف البينتين، وأمّا صحيحة هشام فلا ذكر فيها عن الاختلاف، بل الوارد فيها قيام بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته، فلا أثر في هذه الرواية عن ذكر الاختلاف بخلاف موثّقة سماعة، فلا مجال لدعوى الاتحاد بين مضمون الروايتين ثم سحب الحكم الوارد في موثّقة سماعة على صحيحة هشام بن الحكم.