ثبوت الهلال في الأماكن المتباعدة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٢٨ - ردود عن الاعتراضات
______________________________
.
اللفظ الثاني: ما رواه الشيخ بالإسناد نفسه عن عبدالرحمان بن أبي عبدالله أنّه
سأله عن ذلك- أي عن هلال رمضان عند ما يُغمّ في تسع وعشرين من شعبان- فقال:
«لا تَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ الذي يُقْضَى إِلا أَنْ يَقْضِيَ أَهْلُ الأمصار فَإِنْ فَعَلُوا فَصُمْهُ» ١.
و لا شك في عموم قوله (ع)- بحسب الرواية بلفظها الثاني- لأهل البلاد البعيدة والقريبة لانّ قوله «أهل الأمصار» عام بالعموم اللفظي الذي لا يتوقف في دلالته على الشمول على مقدمات الحكمة لكي يشكك في إطلاقها بعدم كونها في مقام البيان من جهة بعد البلد وقربه، بل عمومها عموم لفظي بمقتضى إضافة الأهل إلى الجمع المحلى بالألف واللّام، وهو من أظهر صيغ العموم في الدلالة على الشمول من غير توقف على مقدمات الحكمة.
و بما أنّ عبدالرحمان بن أبي عبدالله هو الراوي للرواية بكلا لفظيها، ومن البعيد جداً أن يكون قد سأل الإمام مرّتين عن شيء واحد، فهما رواية واحدة في الأصل، وحينئذ فإمّا أن يكون لفظ الرواية الثانية هو لفظ الإمام ويكون اللفظ الاول نقلًا بالمعنى، أو العكس بأن تكون الرواية الأولى لفظ الإمام والثانية نقلًا له بالمعنى، أو يكون لفظ الإمام لفظاً ثالثاً وتكون كلتا الروايتين نقلًا له بالمعنى.
فعلى التقدير الأوّل يثبت ما قلناه من دلالة الرواية بلفظها على العموم من غير حاجة إلى مقدمات الحكمة، وعلى التقدير الثاني يكون نقل الراوي للرواية بلفظها الثاني شاهداً على أنّ الراوي فهم الاطلاق من اللفظ الأوّل- الذي هو لفظ الإمام حسب هذا الفرض- ولذلك فقد عبّر عن ذلك الإطلاق بما يدل على العموم اللفظي في نقله لكلام الإمام بالمعنى، وفهم الراوي للإطلاق الشامل للبلاد البعيدة والقريبة أوضح شاهد على كون الإمام في مقام البيان من هذه الجهة، وإلا لما صحّ له تبديل لفظ الإمام بلفظ آخر يدل على عموم الحكم لأهل البلاد البعيدة والقريبة على السواء وهكذا الكلام على التقدير الثالث.
و أمّا القرينة في موثقة إسحاق بن عمار فتوضيحها كالتالي: إنّ اللفظ الكامل لهذه الرواية هو: عن إسحاق بن عمار قال:
«سَأَلتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) عَنْ هِلالِ رَمَضَانَ يُغَمُّ عَليْنَا فِي تِسْعٍ وعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَال: لا تَصُمْهُ إِلا أَنْ تَرَاهُ، فَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلدٍ آخَرَ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ فَاقْضِهِ، وإِذَا رَأَيْتَهُ مِنْ وَسَطِ النَّهَارِ فَأَتِمَّ صَوْمَهُ إِلى الليْلِ» ٢.
و ذيل هذه الرواية وهو قوله: «وَ إِذَا رَأَيْتَهُ مِنْ وَسَطِ النَّهَارِ فَأَتِمَّ صَوْمَهُ إِلى الليْلِ» صريح في شمول البلد في قوله «فَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلدٍ آخَرَ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ فَاقْضِهِ» للبلد البعيد، وذلك لأنّ افتراض رؤية الهلال في وسط النهار لا ينسجم أبداً مع إمكان رؤيته في الليلة الماضيه في البلد القريب، لعدم معقولية أن يبقى الهلال في مطلعه من بداية الليل إلى وسط نهار اليوم الثاني، فلابدّ أن يكون رؤيته في وسط النهار بمعنى رؤيته أو إمكانها في الليلة الماضية في بلد بعيد.
إذاً فهذا الذيل قرينة واضحة على أنّ عبارة «بَلد آخَر» تشمل البلد البعيد.
(١) المصدر السابق والباب، الحديث ٣.
(٢) المصدر السابق، الباب ٨، الحديث ٨.