ثبوت الهلال في الأماكن المتباعدة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٩٤ - ردود عن الاعتراضات
البعيدة إلا من جهة الحساب العلمي الدقيق أو مع توفّر طرق الاتصالات السريعة، وأنّى كان لهم ذلك؟![١]
______________________________
(١)
المعيار- كما ذكرنا- هو ظهور الهلال لأهل الأرض، والكاشف من هذا الظهور والدّال
عليه هو رؤيته، فاذا رآه أهل مكان مّا كشف ذلك عن ظهوره في تلك الليلة لأهل الأرض.
كما أنّ عدم رؤيته لأهل مكان مّا يكشف عن عدم ظهوره إلا إذا ثبت عندهم ظهوره برؤية
غيرهم للهلال.
فالرّؤية مطلقاً- أي رؤية الهلال في مكان مّا- أمارة شرعية وعرفية كاشفة عن ظهور الهلال في الليلة التي تمّت فيها رؤية الهلال، فتثبت بذلك بداية الشهر القمري، وكان العرب وغيرهم إنّما يعرفون بداية الشهر القمري برؤيته لأنّها هي الكاشفة عن ظهور الهلال لأهل الأرض، فاذا تمّت لهم رؤية الهلال اعتبروا الليلة التي رأوا فيها الهلال الليلة الاولى للشهر القمري الجديد، وإن لم تتم لهم رؤية الهلال بنوا على استمرار الشهر الماضي إلى أن تكتمل عدّته، فيعتبرون اليوم الواحد والثلاثين من رؤية الهلال الماضي، اليوم الأوّل للشهر الجديد، ثم إذا جاءهم خبر موثوق من نقاط أُخرى- وإن بعدت- برؤية الهلال قبل ذلك أخذوا بهذا الخبر، وبنوا عليه واعتبروا الليلة التي رؤي فيها الهلال في منطقة أُخرى بداية للشهر القمري الجديد وعدلوا عمّا كانوا يظنّونه من تأخر بداية الشهر القمري أو نهايته بناء على عدم رؤيته عندهم.
و قد دلت على هذه السيرة العرفية روايات متعدّدة أشرنا إلى بعضها في الرّسالة، ومنها: ما رواه الصدوق باسناد صحيح عن أبوجعفر (ع) قال:
«إِذَا شَهِدَ عِنْدَ الإمام شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا الهِلال مُنْذُ ثَلاثِينَ يَوْماً أَمَرَ الإمام بِالإِفْطَارِ ذَلِكَ اليَوْمَ إِذَا كَانَا شَهِدَا قَبْل زَوَال الشَّمْسِوَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَمَرَ بِإِفْطَارِ ذَلِكَ اليَوْمِ وَأَخَّرَ
[١] المعيار- كما ذكرنا- هو ظهور الهلال لأهل الأرض، والكاشف من هذا الظهور والدّال عليه هو رؤيته، فاذا رآه أهل مكان مّا كشف ذلك عن ظهوره في تلك الليلة لأهل الأرض. كما أنّ عدم رؤيته لأهل مكان مّا يكشف عن عدم ظهوره إلا إذا ثبت عندهم ظهوره برؤية غيرهم للهلال.
فالرّؤية مطلقاً- أي رؤية الهلال في مكان مّا- أمارة شرعية وعرفية كاشفة عن ظهور الهلال في الليلة التي تمّت فيها رؤية الهلال، فتثبت بذلك بداية الشهر القمري، وكان العرب وغيرهم إنّما يعرفون بداية الشهر القمري برؤيته لأنّها هي الكاشفة عن ظهور الهلال لأهل الأرض، فاذا تمّت لهم رؤية الهلال اعتبروا الليلة التي رأوا فيها الهلال الليلة الاولى للشهر القمري الجديد، وإن لم تتم لهم رؤية الهلال بنوا على استمرار الشهر الماضي إلى أن تكتمل عدّته، فيعتبرون اليوم الواحد والثلاثين من رؤية الهلال الماضي، اليوم الأوّل للشهر الجديد، ثم إذا جاءهم خبر موثوق من نقاط أُخرى- وإن بعدت- برؤية الهلال قبل ذلك أخذوا بهذا الخبر، وبنوا عليه واعتبروا الليلة التي رؤي فيها الهلال في منطقة أُخرى بداية للشهر القمري الجديد وعدلوا عمّا كانوا يظنّونه من تأخر بداية الشهر القمري أو نهايته بناء على عدم رؤيته عندهم.
و قد دلت على هذه السيرة العرفية روايات متعدّدة أشرنا إلى بعضها في الرّسالة، ومنها: ما رواه الصدوق باسناد صحيح عن أبوجعفر( ع) قال:
« إِذَا شَهِدَ عِنْدَ الإمام شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا الهِلال مُنْذُ ثَلاثِينَ يَوْماً أَمَرَ الإمام بِالإِفْطَارِ ذَلِكَ اليَوْمَ إِذَا كَانَا شَهِدَا قَبْل زَوَال الشَّمْسِوَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَمَرَ بِإِفْطَارِ ذَلِكَ اليَوْمِ وَأَخَّرَ
.ُ الصَّلاةَ إِلى الغَدِ فَصَلى بِهِمْ»
. ١
هذه الرّواية وأمثالها تكفي للدلالة على أنّ سيرة النّاس في العصور الأُولى كانت جارية على البناء على استمرار الشّهر الماضي في الليلة الثلاثين ويومها إن لم يثبت عندهم ظهور الهلال بالرؤية، ثمّ إذا ثبت بعد ذلك ظهور الهلال قبل تلك الليلة بثلاثين، أي: ثبت أنّ الليلة التي كانوا يظنونها ليلة الثلاثين هي ليلة الواحد والثلاثين عدلوا عمّا بنوا عليه، وأخذوا بما ثبت عند أُولئك الآخرين من ظهور الهلال وبداية الشهر، وإن كان ثبوت ذلك برؤية أناس آخرين جاؤوا من مناطق نائيه تبعد عنهم بمسافات شاسعة لاتقطع إلا في مثل ثلاثين يوماً كما ورد في الرواية، فإنّ الظاهر منها أنّ الشهود لم يكونوا من أهل البلد، بل جاؤوا من مناطق أُخرى، وإطلاق الجواب يشتمل ما إذا كانوا قد جاؤوا من مناطق بعيده بمسافة يحتاج قطعها إلي مثل ثلاثين يوماً.
و يدل على ما ذكرناه أيضاً صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله( ع):
« أَنَّهُ سُئِل عَنِ اليَوْمِ الذي يُقْضَى مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَال لا تَقْضِهِ إِلا أَنْ يُثْبِتَ شَاهِدَانِ عَدْلانِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الصَّلاةِ مَتَى كَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ، وقَال لا تَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ الذي يُقْضَى إِلا أَنْ يَقْضِيَ أَهْلُ الأمصارِ، فَإِنْ فَعَلُوا فَصُمْهُ» ٢.
فإنّ هذه الصحيحة صريحة في أنّ ثبوت الهلال في أيّ مصر من أمصار أهل الصلاة يكفي لوجوب قضاء صوم اليوم الذي ثبت كونه أول الشهر، على جميع أهل الصلاة، كما وتدل أيضاً على أنّ السيرة كانت قائمة على البناء على استمرار الشهر في اليوم الثلاثين إلى أن يقوم الدليل على كونه اليوم الأوّل من الشهر الجديد.
( ١) وسائل الشيعة، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب ٦، الحديث ١.
( ٢) نفس المصدر، الباب ١٢، الحديث ١.
كما وتدل عليه أيضاً موثّقة اسحاق بن عمار:« قال:
سألت أباعبدالله( ع) عَنْ هِلالِ رَمَضَانَ يُغَمُّ عَليْنَا فِي تِسْعٍ وعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ فَقَال: لا تَصُمْهُ إِلا أَنْ تَرَاهُ، فَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلدٍ آخَرَ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ فَاقْضِهِ ... ١»
الحديث.
و تدل عليه أيضاً صحيحة هشام عن أبي عبدالله( ع):
« فِي مَنْ صَامَ تِسْعَةً وعِشْرِينَ؟ قَال: إِنْ كَانَتْ لهُ بَيِّنَةٌ عَادِلةٌ عَلى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلاثِينَ عَلى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً» ٢.
قوله:« صاموا ثلاثين على رؤيته» يعني أنّ أهل المصر الذي صاموا ثلاثين كانوا قد رأوا هلال رمضان قبل أهل المصر الذي صاموا تسعة وعشرين يوماً، بليلة، ثم صاموا جميع شهر رمضان ثلاثين يوماً، ثم شهدوا لدى أهل المصر الذي قدموا إليه بانّهم قد صاموا الشهر ثلاثين يوماً على رؤيته، وهذا يقتضي أن تكون هذه البيّنة العادلة قد قدمت من منطقة بعيدة، لأنّ ذلك هو مقتضى أنها صامت الشهر ثلاثين يوماً على رؤيته ثم شهدت على ذلك، وإلا فلو كانت من منطقة قريبة لوصل خبر رؤية الهلال إلى أهل هذا المصر الذي قدموا إليه قبل ذلك بزمن طويل، وفي الأيّام الأولى من رؤيته في ذلك البلد الآخر، مع العلم بشدّة اهتمام المتشرّعة بثبوت هلال شهري رمضان وشوال- أي هلال الصوم وهلال الفطر- ولذلك فإنّ خبر الصوم والفطر كان ينتقل بين أهل البلاد بسرعة لا تتجاوز اليوم أو بضعة أيام في المناطق القريبة بعضها عن بعض.
ومهما يكن من أمر فإنّ هذه الرّوايات الصحيحة صريحة في الدلالة على أنّ سيرة النّاس في العصور الأولى كانت جارية على البناء على استمرار الشهر الماضي فياليوم
( ١) المصدر السابق، الباب ٨، الحديث ٣.
( ٢) المصدر السابق، الباب ٥، الحديث ١٣.
الثلاثين إلا إذا ثبت عندهم هلال الشهر الجديد في ليلة الثلاثين من الشهر الماضي، وهذا هو مقتضى القاعدة الشرعية وإن بنينا على أنّ لكل بلد هلاله ورؤيته، ولا حاجة عندئذ للتحقيق والفحص عن ثبوت الهلال أو عدم ثبوته في الأماكن الأُخرى، فإنّ المعيار هو البناء على الشهر الماضي إلى أن يثبت حلول الشهر الجديد بالرؤية أو بمضيّ الثلاثين من رؤية هلال الشهر الماضي، من دون حاجة إلى فحص، ولا دليل على وجوب الاستهلال والفحص عن الهلال حتى في بلد الإقامة فكيف ببلد آخر سواءً كان قريباً او بعيداً.
و بما ذكرناه تبيّن وجه الخلل في قوله( دام ظلّه):« و أمّا جعل المعيار هو ظهور الهلال وقابليته للرؤية في مكان مّا- ولو في بلاد الفرس أو في بعض البحار- يكون مشتركاً مع مناطقهم في جزء من الليل فهو ممّا لا ينسجم وجه مع ما ذكر في وجه اعتمادهم على الأشهر القمرية، فانّه مقياس لا يصل إليه الجميع لوضوح أنه لا سبيل إلى التأكد من رؤية الهلال في الأماكن البعيدة إلا من جهة الحساب العلمي الدقيق أو مع توفّر طرق الاتصالات السريعة، وأنّى لهم ذلك» ١.
و ذلك لما اتضح ممّا ذكرناه: من أنّ كون المقياس في بداية الشهر القمري ظهور الهلال في مكان مّا مشترك مع مكان المكلف في جزء من الليل، لا ينافي اعتمادهم على الأشهر القمرية المناسب للمناطق التي كان العرب يعيشون فيها، من جهة أن السماء فيها كانت صحواً في غالب أيام السنة، فكان من السهل لهم معرفة بداية الشهر ونهايته برؤية الهلال في أوّله وآخره.
فإنّ هنا خلطاً بين المعيار في عالم الثبوت، والمعيار في عالم الإثبات.
( ١) أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: ١٢.
فإنّ معيار بداية الشهر القمري في عالم الثبوت هو ما ذكرناه من ظهور الهلال لأهل الأرض، وقد وضحنا أنّ الظّهور مأخوذ في معنى الهلال، وأنّ معنى« أهل الهلال: أنه ظهر» وهذا يعني أنّ ظهوره في مكان مّا هو ظهوره لأهل جميع المناطق التي كان قد حل فيها الليل عند ظهور الهلال، وكذا جميع المناطق التي سوف يحل فيها هذا الليل إلى أن يغطّي هذا الليل جميع مناطق النصف الآخر من كرة الأرض.
و أمّا المعيار في عالم الإثبات فهو الرّؤية، كما صرحت به الروايات المتواترة، فإنّ موضوع الحكم ببداية الشهر عرفاً وشرعاً هو رؤية الهلال، والهلال ثبوتاً هو ما يظهر لأهل الأرض من الحافة النيرة لكرة القمر، والذي يُثبت هذا الظهور هو رؤية الهلال، وعندئذ فإن تمت رؤية الهلال في مكان مّا لأهل ذلك المكان فقد ثبت ظهور الهلال في
تلك الليلة لكل من يسكن في النصف المظلم من الكرة الأرضية لحظة ظهور الهلال، وإن لم تتمّ لهم رؤيته، فإن ثبتت عندهم رؤيته في مكان آخر مشترك معهم في النصف المظلم من كرة الأرض- يعني: في مكان مشترك معهم في جزء من الليل وإن كان بعيداً- فقد تمّ لهم موضوع الحكم ببداية الشهر القمري- أي: ظهور الهلال-، وبنوا على كون الليلة التي ظهر فيها الهلال هي الليلة الأولى للشهر القمري الجديد لهم ولكل المناطق التي عمّها الليل لحظة ظهور الهلال، وإن لم تتم لديهم رؤية الهلال ولا جاءهم خبر برؤيته في أيّ جزء من أجزاء تلك الليلة في المناطق الأُخرى بنوا على كون تلك الليلة هي ليلة الثلاثين من الشهر القمري الماضي.
إذاً فكون بداية الشهر القمري لكل النصف الظلم من الكرة الأرضية بظهور الهلال لسكان هذا النصف الظلم- ولو برؤيته من قبل بعضهم-، لا ينافي سهولة اعتبار بداية الشهر ونهايته بظهور الهلال ورؤيته لأنّ الملاك في عالم الثبوت وإن كان مطلق رؤية. الهلال في النصف الظلم من كرة الأرض، ولكن عدم رؤيته يكشف عن عدم ظهوره لأهل هذا النصف إلى أن يقوم الدليل على رؤيته من قبيل البينة العادلة