تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٨
الحقّ مع رغبات الناس (ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهنّ).
لأنّه لا يوجد مقياس يحدّد أهواء الناس، مضافاً إلى أنّها تميل إلى الشرّ والفساد غالباً، ولو اتّبعتها قوانين الوجود لعمّت الفوضى في الكون ولفسد العالم.
وتأكيداً لذلك تقول الآية: (بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون)[١] أي منحناهم القرآن الذي هو أساس للذكر والتوجّه إلى الله، وسبب لرفعتهم وشرفهم، إلاّ أنّهم أعرضوا عن هذا المنار الذي يُضيء لهم درب السعادة والشرف.
وفي المرحلة الخامسة تقول الآية: هل أنّ عذرهم في فرارهم من الحقّ هو أنّك تريد منهم أجراً على دعوتك: (أم تسألهم خرجاً فخراج ربّك خير وهو خير الرازقين)[٢] .
فلو طلب قائد ديني أجراً من الناس مقابل وعظهم ودعوتهم إلى الحقّ لأعطى المتعذّرين ذريعةً للإعراض عنه والطعن عليه، فيعرضون عنه بحجّة عدم قدرتهم المالية، ويتّهمونه بأنّه ما دعاهم إلاّ ابتغاء منافع خاصّة به.
مضافاً إلى أنّ البشر ما يملك من شيء ليمنحه؟ أليس الله سبحانه وتعالى رزّاق العباد؟
والقرآن الكريم بإيضاحه هذه المراحل الخمس برهن على أنّ هؤلاء الحمقى (المشركين) لا يرضخون للحقّ، وأنّ أعذارهم في إنكار الحقّ أعذار واهية.
وجاءت الآية التالية باستنتاج عام لكلّ ما مضى: (وإنّك لتدعوهم إلى صراط مستقيم) صراط مستقيم دلائله واضحة وإستقامته معلومة، فالطريق
[١] ـ يمكن أن تفسّر عبارة "ذكرهم" بمعنى تذكّرهم وتوقظهم، ويمكن أن تفسّر بمعنى شرفهم وحيثيّتهم في المجتمع البشري، وفي الوقت ذاته لا تناقض بين هذين المفهومين، وقد إستفدنا من كليهما في تفسير الآية.
[٢] ـ الخرج و الخراج مشتق من الخروج، ويعني الشيء الذي يستخرج من المال أو من حاصل الأرض الزراعية. إلاّ أنّ الخرج ذو معنى أوسع من الخراج. وكما يقول الراغب الاصفهاني في مفرداته: الخرج أعمّ من الخراج، وجعل الخرج بإزاء الدخل، وقال تعالى: (فهل نجعل لك خرجاً) والخرج مختّص في الغالب بالضريبة على الأرض أو اُجرتها.