تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٨
أمر أو حدث شهده بنفسه. وكون الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) شاهداً على جميع المسلمين يعني إطلاعه على أعمال اُمّته، وينسجم هذا المفهوم مع حديث (عرض الأعمال) وبعض الآيات القرآنية التي أشارت إلى ذلك، حيث تعرض أعمال اُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه في نهاية كل اسبوع فتطلع روحه الطاهرة عليها جميعاً، فهو شاهد على اُمّته. وذكرت بعض الأحاديث أنّ معصومي هذه الاُمّة الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) هم أيضاً شهود على أعمال الناس، نقرأ في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)قوله: "نحن حجج الله في خلقه ونحن شهداء الله وأعلامه في بريته"[١] .
في الحقيقة إنّ المخاطب في عبارة "لتكونوا" وحسب ظاهر الكلمة هو الاُمّة جميعاً، وقد يكون المراد قادة هذه الاُمّة، فمخاطبة الكلّ وإرادة الجزء أمر متعارف في المحادثة اليومية. ومثال ذلك ما جاء في الآية (٢٠) من سورة المائدة (وجعلكم ملوكاً). حيث نعلم أنّ عدداً قليلا منهم أصبحوا ملوكاً.
وهناك معنى آخر لكلمة شهود، هي "الشهادة العمليّة" أي كون أعمال الفرد انموذجاً للآخرين وقدوة لهم، وهكذا يكون جميع المسلمين الحقيقيين شهوداً، لأنّهم اُمّة تقتدي بهم الاُمم بما لديهم من دين يمكنهم أن يكونوا مقياساً للسمو والفضل بين جميع الاُمم.
وجاء في حديث عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا بعث الله نبيّاً جعله شهيداً على قومه، وإنّ الله تبارك وتعالى جعل اُمّتي شهداء على الخلق، حيث يقول: ليكون الرّسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء على الناس"[٢] .
أي كما يكون النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قدوة واُسوة حسنة لاُمّته، تكونون أنتم أيضاً اُسوة وقدوة للناس، وهذا التّفسير لا يناقض الحديث السابق فجميع الاُمّة شهداء،
[١] ـ كتاب "إكمال الدين" للشيخ الصدوق حسبما نقل عنه تفسير نور الثقلين، المجلّد الثّالث، صفحة ٥٢٦. كما أكّدت ذلك أحاديث أُخرى في هذا المجال.
[٢] ـ تفسير البرهان، المجلّد الثّالث، صفحة ١٠٥.