تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٤
عليكم وكنتم على أعقابكم تنكصون) بدلا من الإستفادة منها والإنتباه للواقع.
كلمة "تنكصون" مشتقّة من النكوص، بمعنى السير بشكل معاكس.
و "أعقاب" جمع "عقب" على وزن "فَعِل" وتعني عقب القدم.
وهذه الجملة كناية عن شخص يسمع كلاماً غير مرغوب فيه، فيرتعب لدرجة يسير فيها القهقرى على عقبي قدميه.
ثمّ إنّه لا يرجع إلى الوراء لمجرد سماعه آيات الله، وإنّما يصبح ممّن وصفتهم الآية (مستكبرين به)[١] .
وإضافةً إلى ذلك (سامراً تهجرون) أي يتسامرون في لياليهم ويتحدّثون عن النّبي والقرآن بالباطل.
وكلمة "سامراً" مشتقّة من "سَمَرَ" على وزن "نصر" بمعنى التحدّث ليلا. وقال البعض: إنّها تعني ظلّ القمر في الليل حيث يختلط السواد مع البياض فيه، وبما أنّ المشركين من العرب كانوا يتسامرون حول الكعبة في الليالي المقمرة، وجُلّ حديثهم يتناول النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالباطل، فوردت هذه الكلمة لهذا الغرض. ويقال "سمراء" لمن إختلط بياضها بشيء من السواد.
و (تهجرون) مشتقة من "هَجْر" وتعني بالأصل الإبتعاد والإنفصال، وقد وردت بمعنى الهذيان الصادر من المريض. لأنّ كلامه في تلك الحالة غير سليم. ويبعث على النفور. كما أنّ الهُجر (على وزن كُفر) يعني السباب، وهو أيضاً يبعث على الإبتعاد والقطيعة.
وقد جاءت كلمة "تهجرون" في الآية بالمعنى الأخير. فتقول: إنّ المشركين
[١] ـ هناك إختلاف بين المفسّرين في مَن يعود إليه الضمير في (به). فذهب بعض أنّه يعود إلى المسجد الحرام والحرم المكّي، لأنّ سدنة الكعبة إستكبروا لإعتبارهم أنفسهم أصحاب الحرم المكّي، وهذا الإحتمال ضعيف لأنّ الآيات السابقة لم تتناول الكعبة والحرم. ويبدو أنّ هذا الضمير يعود إلى القرآن المجيد والنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيكون معنى الآية: إنّكم استكبرتم إزاء القرآن ونبي الإسلام. أو أنّها تشير إلى سيرهم المعاكس، فهم استكبروا ولم يهتّموا به.