تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٧
٣ ـ فلسفة الحجّ وأسراره العميقة!
إنّ لشعائر الحجّ ـ كما هو الحال بالنسبة للعبادات الاُخرى ـ بركات كثيرة جدّاً في نفسيّة الفرد والمجتمع الإسلامي. ويمكنها ـ إن اُجريت وفق اُسلوب صحيح ـ أن تحدث في المجتمعات الإسلامية تبدّلا جديداً كلّ عام.
وتمتاز هذه المناسك بأربعة أبعاد مهمّة:
١ ـ البعد الأخلاقي للحج:
أهمّ جانب في فلسفة الحجّ التغيّر الأخلاقي نحو الأحسن الذي يحصل عند الناس، فمراسم الإحرام تبعد الإنسان بشكل تامّ عن الاُمور المادية والإمتيازات الظاهرية والألبسة الفاخرة، ومع تحريم الملذّات، وبناء الذات الذي يعتبر من واجبات المحرم يبتعد الفرد عن عالم المادّة، ويدخل إلى عالم النور والصفاء والتسامي الروحي. وترى الإنسان قد إرتاح فجأةً من عبء الإمتيازات الموهومة، والدرجات والرتب والنياشين.
ثمّ تلي عمليّة الإحرام مراسم الحجّ الاُخرى تباعاً، وفيها تتوطّد علاقة الإنسان الروحيّة مع خالقه ـ لحظة بعد أُخرى ـ وتتوثّق. فينقطع عن ماضيه الأسود المملوء آثاماً وذنوباً، ويتّصل بمستقبل واضح كلّه نور وصفاء. خاصّةً أنّ مراسم الحجّ تثير في الإنسان إهتماماً كبيراً ـ في كلّ خطوة يخطوها ـ بإبراهيم (عليه السلام)محطّم الأصنام، وإسماعيل (عليه السلام) ذبيح الله. واُمّه هاجر(عليها السلام). ويتجلّى للحجّاج جهادهم وتضحياتهم، إضافةً إلى كون أرض مكّة عامّة، والمسجد الحرام وبيت الكعبة ومحلّ الطواف حولها خاصّة، تذكّر الحاجّ بالرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقادة الإسلام العظام وجهاد المسلمين في صدر الإسلام، فيتعمّق أثر هذه الثورة الأخلاقية بدرجة يشاهد فيها الحاج في كلّ زاوية من زوايا المسجد الحرام وأرض مكّة المقدّسة وجه النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلي (عليه السلام)، وسائر قادة المسلمين، ويسمع قعقعة سيوفهم وصهيل خيولهم.
أجل، إنّ هذه الاُمور كلّها تتّحد وتتضامن لتمهّد لثورة أخلاقية في القلوب