مصباح الأصول( طبع موسسة إحياء آثار السيد الخوئي) - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٨٥ - الأقوال في المسألة و أدلتها
فيها القدرة على فعل الجميع في عرض واحد، أ لا ترى أنّ الانسان مع عدم قدرته على إيجاد الأفعال المتضادة في آن واحد يقدر على ترك جميعها، و ليس ذلك إلّا من جهة قدرته على فعل كل واحد منها بخصوصه، ففي المقام و إن لم يكن الشارع متمكناً من وضع الالزام بالفعل و الترك معاً، و لكنّه متمكن من وضع الالزام بكل منهما بخصوصه، و ذلك يكفي في قدرته على رفعهما معاً، و حينئذٍ فلمّا كان كل واحد من الوجوب و الحرمة مجهولًا، كان مشمولًا لأدلة البراءة، و تكون النتيجة هو الترخيص في كل من الفعل و الترك.
و مما ذكرناه يظهر أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب أيضاً في المقام لو كان لكل من الحكمين حالة سابقة، إذ لا فرق في ذلك بين الاصول التنزيلية و غيرها، كما لا فرق بين أن تكون الشبهة حكمية أو موضوعية، فلو علم المكلف مثلًا بوقوع الحلف على سفر معيّن أو على تركه، فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب عدم الحلف على فعله، و استصحاب عدم الحلف على تركه، و كذا لو علمنا بوجوب عملٍ أو حرمته في الشريعة المقدّسة، كان استصحاب عدم جعل كل منهما جارياً، بناءً على ما ذكرناه في محلّه من جريان استصحاب عدم الجعل[١].
ثمّ إنّه قد يستشكل في الرجوع إلى الاصول العملية في المقام بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّ الرجوع إليها مخالف للعلم الاجمالي بكون أحد الأصلين على خلاف الواقع.
و الجواب: أنّ هذه مخالفة التزامية لا بأس بها. و أمّا المخالفة العملية القطعية فهي مستحيلة كالموافقة القطعية، و لذا يعبّر عن المقام بدوران الأمر بين محذورين.
الوجه الثاني: أنّ الرجوع إلى الاصول النافية إنّما يصحّ عند الشك في أصل
[١] تقدّم في مبحث البراءة في ص ٣٣٤ و يأتي في الجزء الثالث في ص ٥٤