إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١١ - القول
هيجان الحب،و هي أوصاف اللطف و الرحمة،و الحكمة، فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلو،كأوصاف الجبرية،و العزة،و الاستغناء،و ذلك من مقدمات المكر،و الشقاء،و الحرمان ثم خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبه إلى حب غيره،و ذلك هو المقت و السلو عنه مقدمة هذا المقام،و الإعراض و الحجاب مقدمة السلو،و ضيق الصدر بالبر،و انقباضه عن دوام الذكر،و ملاله لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني و مقدماتها،و ظهور هذه الأسباب دليل على النقل عن مقام الحب إلى مقام المقت نعوذ بالله منه.و ملازمة الخوف لهذه الأمور،و شدة الحذر منها بصفاء المراقبة دليل صدق الحب،فإن من أحب شيئا خاف لا محالة فقده،فلا يخلو المحب عن خوف إذا كان المحبوب مما يمكن فواته.و قد قال بعض العارفين:
من عبد اللّٰه تعالى بمحض المحبة من غير خوف هلك بالبسط و الإدلال،و من عبده من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد و الاستيحاش،و من عبده من طريق المحبة و الخوف أحبه اللّٰه تعالى فقربه،و مكنه،و علمه. فالمحب لا يخلو عن خوف،و الخائف لا يخلو عن محبة،و لكن الذي غلبت عليه المحبة حتى اتسع فيها،و لم يكن له من الخوف إلا يسير، يقال هو في مقام المحبة.و يعد من المحبين،و كان شوب الخوف يسكن قليلا من سكر الحب فلو غلب الحب،و استولت المعرفة،لم تثبت لذلك طاقة البشر،فإنما الخوف يعدله و يخفف وقعه على القلب. فقد روي في بعض الأخبار أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل اللّٰه تعالى أن يرزقه ذرة من معرفته،ففعل ذلك،فهام في الجبال و حار عقله،و وله قلبه و بقي شاخصا سبعة أيام لا ينتفع بشيء،و لا ينتفع به شيء.فسأل له الصديق ربه تعالى فقال يا رب أنقصه من الذرة بعضها.فأوحى اللّٰه تعالى إليه.إنما أعطيناه جزأ من مائة ألف جزء من ذرة من المعرفة،و ذلك أن مائة ألف عبد سألونى شيئا من المحبة في الوقت الذي سألنى هذا فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا،فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته فقسمت ذرة من المعرفة بين مائة ألف عبد،فهذا ما أصابه من ذلك.فقال سبحانك يا أحكم الحاكمين،أنقصه مما أعطيته.فأذهب اللّٰه عنه جملة الجزء،و بقي معه عشر معشاره،و هو جزء من عشرة آلاف جزء من مائة ألف جزء من ذرة،فاعتدل خوفه و حبه و رجاؤه،و سكن و صار كسائر العارفين، و قد قيل في وصف حال العارف.