إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٢ - القول
قريب الوجد ذو مرمى بعيد
عن الأحرار منهم و العبيد
غريب الوصف ذو علم غريب
كأن فؤاده زبر الحديد
لقد عزت معانيه وجلت
عن الأبصار إلا للشهيد
يرى الأعياد في الأوقات تجرى
له في كل يوم ألف عيد
و للأحباب أفراح بعيد
و لا يجد السرور له بعيد
و قد كان الجنيد رحمه اللّٰه ينشد أبياتا يشير بها إلى أسرار أحوال العارفين،و إن كان ذلك لا يجوز إظهاره،و هي هذه الأبيات
سرت بأناس في الغيوب قلوبهم فحلوا بقرب الماجد المتفضل
عراصا بقرب اللّٰه في ظل قدسه تجول بها أرواحهم و تنقل
مواردهم فيها على العز و النهى و مصدرهم عنها لما هو أكمل
تروح بعز مفرد من صفاته و في حلل التوحيد تمشي و ترفل
و من بعد هذا ما تدق صفاته و ما كتمه أولى لديه و أعدل
سأكتم من علمى به ما يصونه و أبذل منه ما أرى الحق يبذل
و أعطى عباد اللّٰه منه حقوقهم و أمنع منه ما أرى المنع يفضل
على أن للرحمن سرا يصونه إلى أهله في السر و الصون أجمل
و أمثال هذه المعارف التي إليها الإشارة لا يجوز أن يشترك الناس فيها،و لا يجوز أن يظهرها من انكشف له شيء من ذلك لمن لم ينكشف له.بل لو اشتراك الناس فيها لخربت الدنيا.فالحكمة تقتضي شمول الغفلة لعمارة الدنيا.بل لو أكل الناس كلهم الحلال أربعين يوما لخربت الدنيا لزهدهم فيها،و بطلت الأسواق و المعايش. بل لو أكل العلماء الحلال لاشتغلوا بأنفسهم، و لوقفت الألسنة و الأقدام عن كثير مما انتشر من العلوم و لكن اللّٰه تعالى فيما هو شر في الظاهر أسرار و حكم،كما أن له في الخير أسرارا و حكما.و لا منتهى لحكمته؛كما لا غاية لقدرته و منها.كتمان الحب،و اجتناب الدعوى،و التوقي من إظهار الوجد و المحبة تعظيما للمحبوب و إجلالا له،و هيبة منه،و غيرة على سره،فإن الحب سر من أسرار الحبيب،و لأنه قد يدخل في الدعوى ما يتجاوز حد للمعنى و يزيد عليه،فيكون ذلك من الافتراء