إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤ - بيان
فإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه الادخار الفن الثالث:في مباشرة الأسباب الدافعة للضرر المعرض للخوف اعلم أن الضرر قد يعرض للخوف في نفس أو مال،و ليس من شروط التوكل ترك الأسباب الدافعة رأس أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة،أو في مجاري السيل من الوادي،أو تحت الجدار المائل و السقف المنكسر،فكل ذلك منهي عنه،و صاحبه قد عرض نفسه للهلاك بغير فائدة.نعم تنقسم هذه الأسباب إلى مقطوع بها،و مظنونة.و إلى موهومة فترك الموهوم منها من شرط التوكل،و هي التي نسبتها إلى دفع الضرر نسبة الكي و الرقية،فإن الكي و الرقية قد يقدّم به المحذور دفعا لما يتوقع-و قد يستعمل بعد نزول المحذور للإزللة.و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لم يصف المتوكلين إلا بترك الكي و الرقية و الطيرة،و لم يصفهم بأنهم إذا خرجوا إلى موضع بارد لم يلبسوا جبة،و الجبة تلبس دفعا للبرد المتوقع،و كذلك كل ما في معناها من الأسباب. نعم الاستظهار بأكل الثوم مثلا عند الخروج إلى السفر في الشتاء تهييجا لقوة الحرارة من الباطن ربما يكون من قبيل التعمق في الأسباب،و التعويل عليها.فيكاد يقرب من الكي بخلاف الجبة و لترك الأسباب الدافعة و إن كانت مقطوعة وجه إذا ناله الضرر من إنسان،فإنه إذا أمكنه الصبر و أمكنه الدفع و التشفي:فشرط التوكل الاحتمال و الصبر قال اللّه تعالى (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً وَ اصْبِرْ عَلىٰ مٰا يَقُولُونَ [١]) و قال تعالى وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلىٰ مٰا آذَيْتُمُونٰا وَ عَلَى اللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [٢]) و قال عز و جل (وَ دَعْ أَذٰاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ [٣]) و قال سبحانه و تعالى (فَاصْبِرْ كَمٰا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [٤]) و قال تعالى (نِعْمَ أَجْرُ الْعٰامِلِينَ اَلَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [٥]) و هذا في أذى الناس و أما الصبر على أذى الحيّات و السباع و العقارب.فترك دفعها ليس من التوكل في شيء إذ لا فائدة فيه.و لا يراد السعي و لا يترك السعي لعينه بل لإعانته على الدين.و ترتب الأسباب هاهنا كترتبها في الكسب و جلب المنافع،فلا نطول بالإعادة و كذلك في الأسباب الدافعة عن المال فلا ينقص التوكل بإغلاق باب البيت عند
[١] مزمل:٩،١٠
[٢] إبراهيم:١٢
[٣] الأحزاب:٤٨
[٤] الأحقاف:٣٥
[٥] العنكبوت:٥٨،٥٩