إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠٤
في الخوف،و الرجاء،و التعظيم،و الزهد،و الرضا،و التوكل،و الحب،و سائر هذه الأمور فإن هذه الأمور لها مباد ينطلق الاسم بظهورها،ثم لها غايات و حقائق ،و الصادق المحقق من نال حقيقتها.و إذا غلب الشيء و تمت حقيقته،سمى صاحبه صادقا فيه كما يقال.فلان صدق القتال،و يقال هذا هو الخوف الصادق.و هذه هي الشهوة الصادقة و قال اللّٰه تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتٰابُوا [١]) إلى قوله (أُولٰئِكَ هُمُ الصّٰادِقُونَ [٢]) و قال تعالى (وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ [٣]) إلى قوله (أُولٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا [٤]) [١]و سئل أبو ذر عن الإيمان،فقرأ هذه الآية.فقيل له سألناك عن الإيمان.فقال سألت رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم عن الإيمان فقرأ هذه الآية و لنضرب للخوف مثلا.فما من عبد يؤمن بالله و اليوم الآخر إلا و هو خائف من اللّٰه خوفا ينطلق عليه الاسم،و لكنه خوف غير صادق،أي غير بالغ درجة الحقيقة.أما تراه إذا خاف سلطانا،أو قاطع طريق في سفره ،كيف يصفر لونه ،و ترتعد فرائصه.و يتنغص عليه عيشه،و يتعذر عليه أكله و نومه،و ينقسم عليه فكره حتى لا ينتفع به أهله و ولده؟ و قد ينزعج عن الوطن فيستبدل بالأنس الوحشة،و بالراحة التعب و المشقة،و التعرض للأخطار ،كل ذلك خوفا من درك المحذور.ثم إنه يخاف النار،و لا يظهر عليه شيء من ذلك عند جريان معصية عليه.و لذلك قال صلى اللّٰه عليه و سلم[٢]«لم أر مثل النار نام هاربها و لا مثل الجنة نام طالبها» فالتحقيق في هذه الأمور عزيز جدا،و لا غاية لهذه المقامات حتى ينال تمامها،و لكن لكل عبد منه حظ بحسب حاله،إما ضعيف و إما قوي.فإذا قوي سمي صادقا فيه فمعرفة اللّٰه و تعظيمه و الخوف منه لا نهاية لها،و لذلك قال النبي صلى اللّٰه عليه و سلم [٣]لجبريل عليه السلام«أحب أن أراك في صورتك التي هي صورتك»فقال لا تطيق ذلك
[١] الحجرات:١٥
[٢] الحجرات:١٥
[٣] البقرة:١٧٧
[٤] البقرة:١٧٧