إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٥ - بيان
عندي جهيدا،و من كتبته عندي جهيدا لا تكون عليه وحشة و لا فاقة إلى المخلوقين،يا داود، تمسك بكلامي،و خذ من نفسك لنفسك،لا تؤتين منها فأحجب عنك محبتي،لا تؤيس عبادي من رحمتي أقطع شهوتك لي فإنما أبحت الشهوات لضعفة خلقي.ما بال الأقوياء أن ينالوا الشهوات فإنها تنقص حلاوة مناجاتى.و إنما عقوبة الأقوياء عندي في موضع التناول،أدنى ما يصل إليهم أن أحجب عقولهم عنى،فإنى لم أرض الدنيا لحبيبي و نزهته عنها،يا داود،لا تجعل بينى و بينك عالما يحجبك بسكره عن محبتي،أولئك قطاع الطريق على عبادي المريدين.
استعن على ترك الشهوات بإدمان الصوم و إياك و التجربة في الإفطار،فإن محبتي للصوم إدمانه.يا داود،تحبب إلى بمعاداة نفسك،امنعها الشهوات أنظر إليك،و ترى الحجب بينى و بينك مرفوعة إنما أداريك مداراة لتقوى على ثوابي إذا مننت عليك به،و إنى أحبسه عنك و أنت متمسك بطاعتى. و أوحى اللّه تعالى إلى داود يا داود،لو يعلم المدبرون عنى كيف انتظارى لهم،و رفقى بهم،و شوقى إلى ترك معاصيهم،لماتوا شوقا إلي،و تقطعت أوصالهم من محبتي.يا داود،هذه إرادتى في المدبرين عنى،فكيف إرادتى في المقبلين علي!يا داود أحوج ما يكون العبد إلى إذا استغنى عنى،و أرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عنى،و أجل ما يكون عندي إذا رجع إلي. فهذه الأخبار و نظائرها مما لا يحصى تدل على إثبات المحبة و الشوق،و الأنس،و إنما تحقيق معناها ينكشف بما سبق
بيان
محبة اللّه للعبد و معناها
اعلم أن شواهد القرءان متظاهرة على أن اللّه تعالى يحب عبده،فلا بد من معرفة معنى ذلك.و لنقدم الشواهد على محبته.فقد قال اللّه تعالى (يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [١]) و قال تعالى (إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [٢]) و قال تعالى (إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [٣]) و لذلك رد سبحانه على من ادعى أنه حبيب اللّه فقال
[١] المائدة:٥٤
[٢] الصف:٤
[٣] البقرة:٢٢٢