إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٢ - بيان
فهذه سنة اللّٰه تعالى في عباده بالتفضيل،و التقديم،و التأخير،على ما سبقت به المشيئة الأزلية.
و هذه القصص وردت في القرءان لتعرف بها سنة اللّٰه في عباده الذين خلوا من قبل،فما في القرءان شيء إلا و هو هدي و نور،و تعرف من اللّٰه تعالى إلى خلقه،فتارة يتعرف إليهم بالتقديس فيقول قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ اَللّٰهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [١]و تارة يتعرف إليهم بصفات جلاله فيقول اَلْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاٰمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّٰارُ الْمُتَكَبِّرُ [٢]) و تارة يتعرف إليهم في أفعاله المخوفة و المرجوة،فيتلو عليهم سنته في أعدائه و في أنبيائه فيقول أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعٰادٍ إِرَمَ ذٰاتِ الْعِمٰادِ [٣]أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحٰابِ الْفِيلِ [٤]و لا يعدو القرءان هذه الأقسام الثلاثة،و هي الإرشاد إلى معرفة ذات اللّٰه و تقديسه، أو معرفة صفاته و أسمائه،أو معرفة أفعاله و سنته مع عباده.و لما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة و هو التقديس، وازنها رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم بثلث القرءان فقال[١]«من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرءان»لأن منتهى التقديس أن يكون واحدا في ثلاثة أمور،لا يكون حاصلا منه من هو نظيره و شبهه،و دل عليه قوله (لَمْ يَلِدْ [٥]و لا يكون حاصلا ممن هو نظيره و شبهه،و دل عليه قوله (وَ لَمْ يُولَدْ [٦]و لا يكون في درجته و إن لم يكن أصلا له و لا فرعا من هو مثله،و دل عليه قوله وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [٧]و يجمع جميع ذلك قوله تعالى قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ [٨]و جملته تفصيل قول لا إله إلا اللّٰه فهذه أسرار القرءان،و لا تتناهى أمثال هذه الأسرار في القرءان.و لا رطب و لا يابس إلا في كتاب مبين.و لذلك قال ابن مسعود رضي اللّٰه عنه:نوروا القرءان و التمسوا غرائبه ففيه علم الأولين و الآخرين، و هو كما قال.و لا يعرفه إلا من طال في آحاد كلماته فكره وصفا له فهمه،حتى تشهد له كل كلمة منه بأنه كلام جبار قاهر،مليك قادر،و أنه خارج عن حد استطاعة البشر.و أكثر أسرار القرءان معبأة في طي القصص و الأخبار،فكن
[١] الصمد
[٢] الحشر:٢٣
[٣] الفجر:٦،٧
[٤] الفيل:١
[٥] الصمد
[٦] الصمد
[٧] الصمد
[٨] الصمد