إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٥ - و أما السبب الثالث و هو حبك المحسن في نفسه
الجمع بين السواد و البياض فهو المنفرد بالجود و الإحسان،و الطول و الامتنان،فإن كان في الطبع حب المحسن فينبغي أن لا يحب العارف إلا اللّه تعالى،إذا الإحسان من غيره محال،فهو المستحق لهذه المحبة وحده و أما غيره فيستحق المحبة على الإحسان بشرط الجهل بمعنى الإحسان و حقيقته
و أما السبب الثالث:و هو حبك المحسن في نفسه
و إن لم يصل إليك إحسانه و هذا أيضا موجود في الطباع،فإنه إذا بلغك خبر ملك عابد عادل عالم رفيق بالناس متلطف بهم متواضع لهم و هو في قطر من أقطار الأرض بعيد عنك،و بلغك خبر ملك آخر ظالم متكبر فاسق متهتك شرير و هو أيضا بعيد عنك،فإنك تجد في قلبك تفرقة بينهما،إذ تجد في القلب ميلا إلى الأول،و هو الحب و نفرة عن الثاني،و هو البغض،مع أنك آيس من خير الأول،و آمن من شر الثاني،لانقطاع طمعك عن التوغل إلى بلادهما فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن فقط لا من حيث إنه محسن إليك و هذا أيضا يقتضي حب اللّه تعالى بل يقتضي أن لا يحب غيره أصلا إلا من حيث يتعلق منه بسبب،فإن اللّه هو المحسن إلى الكافة و المتفضل على جميع أصناف الخلائق أولا بإيجادهم، و ثانيا بتكميلهم بالأعضاء و الأسباب التي هي من ضروراتهم،و ثالثا بترفيههم و تنعيمهم بخلق الأسباب التي هي في مظان حاجاتهم و إن لم تكن في مظان الضرورة،و رابعا بتجميلهم بالمزايا و الزوائد التي هي في مظنة زينتهم و هي خارجة عن ضروراتهم و حاجاتهم.و مثال الضروري من الأعضاء الرأس،و القلب،و الكبد و مثال المحتاج إليه العين،و اليد،و الرجل،و مثال الزينة استقواس الحاجبين،و حمرة الشفتين، و تلوز العينين،إلى غير ذلك مما لو فات لم تنخرم به حاجة و لا ضرورة،و مثال الضروري من النعم الخارجة عن بدن الإنسان الماء و الغذاء،و مثال الحاجة الدواء،و اللحم،و الفواكه، و مثال المزايا و الزوائد خضرة الأشجار،و حسن أشكال الأنوار و الأزهار،و لذائذ الفواكه و الأطعمة التي لا تنخرم بعدمها حاجة و لا ضرورة و هذه الأقسام الثلاثة موجودة لكل حيوان، بل لكل نبات،بل لكل صنف من أصناف الخلق من ذرورة العرش إلى منتهى الفرش.
فإذا هو المحسن،فكيف يكون غيره محسنا و ذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته!فإنه خالق الحسن،و خالق المحسن،و خالق الإحسان،و خالق أسباب الإحسان.فالحب بهذه العلة لغيره أيضا جهل محض،و من عرف ذلك لم يحب بهذه العلة إلا اللّه تعالى